عالم المستشار العلامة طارق البشرى

نظرة من داخل الواقع المصري

بقلم Unspecified

حرب العرب في لبنان سنة 2006
نظرة من داخل الواقع المصري

 

طارق البشري**

المستشار طارق البشري

لقد تكلمنا بما يكفي وزيادة، واستنفد الكلام غرضه بما وصل إليه من مقررات يكاد ينعقد عليها إجماع من تهمهم شئون بلادهم، ولم تبق الآن زيادة لمستزيد في هذا الشأن، ولقد ذاع ذلك كله وتناولته الصحف والأحاديث بما صار به علما عاما، ولم تبق إلا الحركة، والمطلوب هو تلك الأفعال التي تفضي إلى الإزاحة العملية لما هو ضار ومخرب وظالم ومستبد وغير وطني لا يرعى مصالح الجماعة السياسية في يومها ولا في غدها ولا في مستقبلها، ويمكّن أعداءها فيها، ويجعلهم المسيطرين عليها، والحاكمين لها وأصحاب القرار النافذ فيها.

لقد علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن من عمل بما يعلم أورثه الله علم ما لم يعلم، ونحن نستفيد من ذلك أن علمنا بواقعنا وبما يصلح له وينصلح به لن يزيد عن مجموع ما حصلناه الآن إلا إذا نشطنا وعملنا بما توافر لدينا الآن، وأنت ترى الطريق أمامك لمدى نظر معين، ولن ترى بعده إلا إذا مارسنا هذه المعارف في الواقع وفي التطبيق؛ ولذلك فقديما قال أحد الحكماء: "العلم كله بلاء حتى يُعمل به"، وقديما أيضا قال فريدريك إنجلز: إن خير وسلية لمعرفة "الفطيرة" هي أن تأكلها، بمعنى أن المعرفة لصيقة بالممارسة لا تنفك عنها، ومن هنا صرت أخشى من الكلام الذي لا تواكبه أفعال.

أفعال الإزاحة والتغيير

وأنا لدي مشكلة في هذا الشأن؛ لأن عملي الذي عرفته واعتدت عليه وانحصرت فيه ممارساتي وتجاربي هو الكتابة، سواء كانت كتابة مهنية صرفية أو كانت في مجالات فكر عام تاريخي أو سياسي، وهذا بالضبط ما أظن أنه لم يعد هو المطلوب الآن في هذه الأيام على وجه التحديد.

إن تكرار الحديث في هذا الشأن المعروف المعاد يتراوح بين اللغو الذي لا ينفع ولا يضر، وبين ما يشارف الإضرار أو التوغل فيه؛ لأنه يكون صارفا للناس عما هو مطلوب الآن، وهو الأفعال المادية، أفعال الإزاحة والتغيير.

لو كنت أعرف كيف أنشئ أو أدير تنظيما سياسيا له القدرة على الوصول إلى التجمعات الشعبية بين عمال المصانع وطلبة الجامعات والمترددين على المساجد، لو كنت أعرف كيف أفعل ذلك لفعلته، بصرف النظر عن موافقة لجنة الأحزاب أو اعتراضها، إذا كان شيء من ذلك موجودا وأكون نافعا له ونشاطه العملي في الشوارع والتجمعات لانضممت إليه، لو كنت أعرف كيف أمسك بالعصا "أشوّح" بها في وجه ظالم مستبد أو عميل استعماري لفعلت، لو كنت أعرف كيف أنظم مظاهرة وأهتف فيها لفعلت، ولو كنت أملك حنجرة قوية وصوتا غير صوتي الخفيض الذي لا أملك سواه لصحت مع الصائحين، ولو كنت من عمال الدولة وأستطيع مع غيري أن نوجه آلتها إلى ما فيه صالح الأمة والوطن لفعلت، ولو كنت أعرف وجوه التغيير للمنكر باليد لشاركت في ذلك، ولو كانت لدي فسحة من عمر تمكّنني من التدريب على شيء من ذلك لما ترددت في سلوك طريق التعلم، ولكن مضى أكثر العمر، بل مضى كله إلا فضلة صغيرة لا يعرف مداها إلا الله سبحانه وتعالى، مضى وأنا لا أتعامل إلا بالكلمة المكتوبة والصوت الخفيض والعبارة المركزة، وهذا بالضبط هو ما بلغ غايته، وهو يسلم الأمور إلى ذوي السواعد وأهل الحركة الواقعية، ولن يرث أحد علم ما لا يعلم إلا أن يعمل العاملون بما يعلمون، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ونحن أمام وضع عجيب، فليس الفكر فقط هو ما بلغ منتهاه فيما يفصح عنه من مهام مطلوبة في هذا الوقت في هذا البلد، هنا والآن، ولكن الدعوة السياسية والإذاعة الإعلامية والإشاعة.. كل ذلك تكاد تكون بلغت منتهاها أيضا في القدرة على الإسماع والانتشار، بل إن ألفاظ الهجوم والكشف والفضح لكل ما هو سيئ وضار وقبيح، أكاد أقول إنها بلغت من المنتهى ما لم تبلغه بهذه العبارات وبهذه اللهجة والحدة في التاريخ المرئي الذي لمسناه منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ولا في التاريخ السابق الذي استطلعناه في الصحف والوثائق على مدى القرن العشرين وما سبقه من العقود. وهذا يذكرنا بما كنا ندرسه في كتب التاريخ المدرسية عن العصر الفرعوني، كانوا يقولون لنا إن عهدا معينا كان عهد تفكك وانهيار بدلالة أن الرسوم على الجدران كانت تظهر الفرعون بصورة هزلية، وكان هذا إيذانا بانتهاء عهود وبدء عهود أخرى.

ولم يعد المطلوب إلا تحقق الأفعال الواقعية التي تفضي إلى الإزاحة المادية لكل ما هو رديء وآسن وغير وطني وغير شريف من السياسات والأفعال والوقائع والأوضاع، ويؤكد هذا المعنى أن القائمين على الأمور لم يعد يهمهم ما يقال عنهم مهما بلغ من شناعته، ما دام الواقع المادي الملموس على حاله، وهذا أمر يبدو منطقيا عند التأمل فيه، فمن لا تهمه المعاني السامية من سمو وعلو ونحوه لا يهمه نقيضها من نقص ودناءة ونحوها، ولا يهتم إلا بالفعل المادي الملموس باليد والحس، وجودا أو عدما؛ ولذلك نلحظ أنه لا يوجد في الحسابات السياسية إلا الرضا الأمريكي وقوة الشرطة فقط. والرضا الأمريكي ذو إرادة آمرة، والشرطة جهاز لحفظ أمن الحاكم المنفذ لهذه الإرادة.


تحالفا إستراتيجي مع عدو إستراتيجي!

وحتى نفهم معنى الرضا الأمريكي وأثره فينا، ينبغي أن نعرف أن السياسة الرسمية الأمريكية هي العدو الإستراتيجي لمصر المستقلة، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، أي منذ أن قررت أن ترث الاستعمار الإنجليزي لمصر والاستعمار الفرنسي لسوريا ولبنان، ومنذ أن قررت أن ترث المشروع الصهيوني الإسرائيلي الداعم لوجودها، ونحن نعرف أن السياسة الأمريكية -على مدى نصف القرن الأخير- تغيرت وتعدلت في كل مسألة من مسائلها في علاقاتها بدول العالم، سواء الدول الأوروبية أو الاتحاد السوفيتي وروسيا أو الصين أو الهند وباكستان أو دول شرق أوروبا، وذلك إلا فيما يتعلق بتوثيق علاقتها بإسرائيل، وإلا فيما يتعلق بعدوانها علينا، وسواء حاربنا إسرائيل -مثل "مصر عبد الناصر"- أو سالمنا إسرائيل -مثل "مصر السادات"- أو بدأنا نتحالف مع إسرائيل -مثل "مصر مبارك"- فالموقف الأمريكي هو هو، وإسرائيل عنصر مؤسس في الموقف الأمريكي.

القصة في سطور قليلة، أن هذه المنطقة التي نعيش فيها ونكوّن جزءا منها عرفت من الحروب في نصف القرن الأخير ما يلي: حرب 1948 التي استمرت أشهرا حتى 1949 ثم أعقبتها هدنة، وحرب 1956 لثلاثة أشهر تقريبا وأعقبتها هدنة، وحرب 1967 لستة أيام احتلت إسرائيل بها كلا من فلسطين وسيناء من مصر والجولان من سوريا، وحرب استنزاف امتدت نحو 3 سنوات حتى 1970، وحرب 1973 في سيناء والجولان، ثم لما انسحبت "مصر السادات" من العمليات الحربية في 1979، انتقلت أرض المعارك، فكانت حرب 1982 باجتياح إسرائيل للبنان وبداية حرب المقاومة التي استمرت حتى عام 2000، وفي خلال ذلك قامت انتفاضة الشعب الفلسطيني في فلسطين عام 1987، ثم حدثت حرب العراق والكويت في 1991، ثم الانتفاضة الفلسطينية في سبتمبر 2000 والمستمرة حتى الآن، ثم حرب احتلال الأمريكيين لأفغانستان في 2001 وهي مستمرة، ثم الاحتلال الأمريكي للعراق في 2003 والمستمر حربا طاحنة حتى اليوم، ثم حرب لبنان في 2006، أي إنها إحدى عشرة حربا في ثمانية وخمسين عاما هي حرب أمريكية إسرائيلية ضد الشعب العربي في أقطاره كلها، وهي مستمرة بما يفيد أنها حرب واحدة ذات معارك متجددة تحدث كل سنوات محدودة وتنتقل أرضا ومحاربين؛ ومن هنا يظهر أن العداء عداء إستراتيجي ممتد وحاكم لأسس العلاقة بين الطرفين.

وعلينا بهذا المنطق أن نتفهم كيف أن حكومتنا المصرية لا تكف عن الحديث الجهير والصنيع المستمر بأن ما بينها وبين الحكومة الأمريكية هو تحالف إستراتيجي، وكيف لنا نفهم تحالفا إستراتيجيا مع العدو الإستراتيجي؟! وبماذا يسمى هذا في لغة السياسة الوطنية، لا سيما أهم بنوده التحالف مع إسرائيل؟!.

ظهر هذا الحلف الإستراتيجي مع العدو الإستراتيجي كأوضح ما يكون في حرب 2006 الجارية الآن، وظهر في معركة عدوان إسرائيلي أمريكي سافر على بلد عربي مستقل وهو لبنان، عدوان يدمر البلد ويهجر شعبه، ويحتل أرضه ويقتل رجاله، وظهر هذا الحلف مع الجانب الإسرائيلي الأمريكي بدعم سياسي يغطي الفعل العدواني، وبهجوم سياسي على المقاومة الوطنية اللبنانية، وبنعت لها بعدم المسئولية، وأنها سبب الحرب، فكان ذلك أوضح تحالف حكومي عربي صريح مع الجانب الأمريكي والإسرائيلي ضد بلد عربي وحركة مقاومة عربية وطنية، وكانت قواه تقودها الحكومة السعودية، وتقف معها حكومة مصر وحكومة الأردن. وحكومة الأردن معروفة، فهي لم تكد تنشأ في الإقليم العربي منذ أربعينيات القرن العشرين إلا بوصفها رديفا للمشروع الصهيوني، منذ الملك عبد الله الأول، وهذا ما تولته كتب التاريخ عن المسألة الفلسطينية. وحكومة مصر هي ما نتكلم عنه هنا، من قبل ومن بعد.

وإن الشيء الإيجابي الوحيد في السياسة المصرية الحالية أنها لم تعد ذات وزن ولا ثقل في الشأن العربي، وصارت دولة لا تتكافأ حتى مع دول الخليج الصغيرة الحديثة؛ ولذلك صار الضرر العربي من السياسة المصرية محدودا وغير ذي بال. أي إن المزية الوحيدة للسياسة المصرية أنها صارت لغوا لا يضر ولا ينفع.

كانت المملكة العربية السعودية هي رائدة الموقف الموالي للموقف الأمريكي الصهيوني ضد لبنان، وأعلنت ووجهت من أول يوم طعنتها لحزب الله المجسم للمقاومة الوطنية، متهمة إياه بالمقامرة، ومعلنة وجوب أن يقف وحده وأن يواجه وحده رد الفعل الإسرائيلي، وأن يلقى ما يلقى، بعبارات لم يكن لها من قبل سوابق في أدبيات التعبير السعودي عن المواقف السياسية، ثم تلت ذلك بما تواجهت به حملات الإعلام المنتمي إليها من الدعاية إلى الموقف المعادي ذاته، والمخاصم للمقاومة الوطنية اللبنانية، سواء في الصحف أو الفضائيات أو تصريحات المسئولين، ثم أتبعت ذلك بإثارة الخلاف المذهبي بين السنة والشيعة وإحياء فتاوى من شيوخها تحرم الوقوف مع الشيعة، كما لو أن الصهاينة أقرب للمسلمين من الشيعة الموحدين بالله والمؤمنين برسوله.

ثم إن الأهم من ذلك كله أن وسائل الإعلام نقلت خبرا خلال العمليات العسكرية للعدوان الإسرائيلي على لبنان، مفاده أن المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية عقدتا اتفاقيات شراء أسلحة من الولايات المتحدة مع تحديث أسلحة قيمتها 4.2 مليارات دولار، منها 2.9 مليار دولار تمثل نصيب السعودية في هذه الصفقات، وتركت وكالات الأخبار لنا أن نستنتج أن حكومة خادم الحرمين الشريفين تمد مصانع السلاح الأمريكي بمبلغ 2.9 مليار دولار في الوقت الذي تمد به هذه المصانع إسرائيل بالأسلحة والذخيرة لتدمير لبنان البلد المسلم ولتقتيل شعبه المسلم ولهزيمة حزب الله المقاوم للصهاينة وعدوانهم. وهكذا كان الدعم لإسرائيل بالموقف السياسي وبالفتاوى الشرعية وبالإذاعة الإعلامية، وفوق ذلك وقبل ذلك وبعده بتمويل السلاح. ونحن نعرف أن ما يسمى بالقنابل الذكية كانت تصدر من أمريكا لإسرائيل في هذه الفترة عن طريق إنجلترا والخليج، حسبما ذكرت الأخبار وقتها.

نستطرد في هذا السياق إلى ذكر أمر هام جدا لا نملك إلا أن نثيره؛ لعل الإثارة تنتج موقفا إيجابيا، الآن أو في مستقبل غير بعيد، ذلك أن الكثير من العاملين في مجال الإعلام عندنا لهم صلات عمل وثيقة بالمؤسسات الإعلامية في العديد من دول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، وكذلك العدد العديد من المهنيين والمفكرين وأساتذة الجامعات وغير ذلك، وما أكثر الوطنيين من هؤلاء المهمومين بمشاكل بلادنا، والكثير من هؤلاء لا يؤثر عملهم بتلك المؤسسات في مواقفهم الوطنية، كما أنهم في بلادهم لا يتأثرون بأعمالهم في نقد مسلك حكوماتهم، ولكن الحذر يتأتى عندما ينتقد أي منهم سياسات معينة ومسماة لحكومة غير حكومة البلد الذي هو من رعاياه، ولكنه البلد الذي يعمل به؛ إذ يتصل اتصال عمل بمؤسساته الإعلانية والثقافية، وهذا أمر ملاحظ لأن نبرة النقد تخف كثيرا –إن لم تُتجنب كلية- عند الحديث المباشر عن سياسات حكومات يتعامل مع مؤسساتها.

إننا في معركة حادة وجادة جدا، وهي تقتضي من أي منا أقدارا متفاوتة من الاستغناء ومن التضحية، ولن يكون هذا كثيرا ونحن نشاهد تصاعد معارك يتقدم إليها استشهاديون ويذهب في معتركها قتلى ومصابون، ويفقد أطفال آباءهم وأمهاتهم، وما من حي فيهم إلا وهو ابن شهيد أو أخو شهيد أو قريب له.


حلف التبعية

أمران يستحيل أن يكون ثمة اختلاف حولهما، وإلا نكون من الخاسرين، أولهما أننا في حالة تلقّ للعدوان الأمريكي الصهيوني علينا منذ نحو ستين سنة، وأن الحرب ناشبة بيننا وبينهم على هذا المدى الزمني الطويل الذي لم تظهر له نهاية بعد، وأنها حرب ممتدة ومستمرة. وثانيهما أن موجبات الأمن القومي والمصري تمتد خارج الحدود المصرية إلى أرض الشام، من فلسطين إلى سوريا شمال شرق، وإلى السودان حتى باب المندب جنوبا، وهذه ضرورة دفاعية عسكرية وبشرية.

إن الإنجليز أنفسهم عندما عملوا على الدفاع عن هذه المنطقة ضد التهديد النازي خلال الحرب العالمية الثانية (1939- 1945) أنشئوا ما يسمى مركز تموين الشرق الأوسط للتنسيق بين الاحتياجات المعيشية لهذه المنطقة، وعينوا وزيرا ينسق بين السياسات فيها كان هو اللورد موين الذي اغتالته العصابات الصهيونية وقتها في حي الزمالك بالقاهرة، وشجعوا إنشاء جامعة الدول العربية في سنتي 1943 و1944.

ومن قبل الإنجليز كان نابليون عندما احتل مصر في 1798 قاد حملة إلى عكا بفلسطين ليؤمن مصر من جانب أرض الشام، وفشل في ذلك وانهار حلمه في البقاء بمصر.

والأمريكيون الآن أنشأوا هذا التحالف الإسرائيلي المصري السعودي الأردني للدفاع عن بقائهم وهيمنتهم، ونحن على العكس نرنو إلى حلف الاستقلال لا إلى حلف التبعية.

وبعد كل ذلك يتبجّح الحكام في هذه الدول بأننا في حلف إستراتيجي مع عدونا الأمريكي الصهيوني، وينعقد المؤتمر الأول "للحزب الوطني" الحاكم في مصر منذ ثلاثين سنة ليضع برنامجا كان في صدر أهدافه في سنة 2003 عبارة "مركزية الهوية الوطنية المصرية التي حفظت للدولة تماسكها"، وهو ما يعني عزل مصر عن المحيط العربي الحاضن لها والمؤمّن لها، ثم بعد ذلك تُتخذ السياسات التي لا تعني إلا العزلة عن حركات التحرر والمقاومة العربية، ثم تُوثق الأواصر مع قوى العدوان الأمريكي الصهيوني عندما تظهر في الحكومة السعودية وحكومة الأردن، وتنسق مع السياسة الصهيونية لزعماء إسرائيل.

ومن هنا لم يحتج رأي العالم العربي إلى أحد ليشرح له أن معركة لبنان في يوليو وأغسطس 2006 هي معركتنا نحن، ولا أقول إننا تخلينا عنها أو غبنا عن معتركها، ولكن أقول إننا اكتفينا بالصياح والصراخ فقط في وجه حكومتنا عندما قدمت الدعم السياسي لإسرائيل في هجومها على لبنان وعلى حزب الله المقاوم للغزو الإسرائيلي الأمريكي، بما يعني أن حكومتنا في هذا الشأن إنما تعمل لصالح ما يهدد الأمن القومي المصري، كما قدمت من قبل البترول والغاز الطبيعي والإسمنت الإسرائيلي بأسعار معتدلة حسبما تردد كثيرا في صحافتنا الوطنية في الأسابيع الأخيرة.

والمشكل الذي يواجهنا أن تنظيم "الدولة" في التاريخ وفي أصول الفكر السياسي، لم تنشأ حاجة الجماعة السياسية له، ولم يقم إلا لتأمين هذه الجماعة ضد ما يواجهها أو ما يحتمل أن تواجهه من مخاطر الخارج عليها.

ثم أضيف إلى هذا الاحتياج وإلى وظائفها الأساسية أنها التنظيم ذو القدرة أيضا على حفظ التوازنات بين الجماعات الفرعية التي تتكون منها الجماعة السياسية الأشمل. هذا "تنظيم الدولة" الذي لم ينشأ إلا لهذا الهدف، قد صار اليوم في بعض دولنا في المرحلة الحاضرة هو الثغرة الخطيرة التي يجيء عن طريقها العدوان الخارجي، والتي تكبل الجماعة السياسية وتصرفها عن مقاومة العدوان الخارجي عليها، وصار من يقوم من شعوبنا ومنظماتها الأهلية لتكافح مخاطر الخارج، تواجه أول ما تواجه بأن دولها هي من يحول دون ذلك.

إن الأحداث الجارية منذ سنة 2000 قد أكدت ما سبقت ملاحظته من أن قوى العدوان العالمية ليس لها على مثل بلادنا وجماعاتنا السياسية سبيل، إلا بطريقين، أولهما الوقيعة بين الجماعات المختلفة في بلادنا، سواء أكانت جماعات دينية أو مذهبية أو قبلية أو إقليمية أو لغوية، مثل ما حدث ويحدث في العراق ولبنان والسودان وغير ذلك، قديما وحديثا، وثانيهما اتخاذ العملاء من بيننا ذوي النفوذ الفعال في أجهزة الدولة أو في غيرها من المؤسسات ذات النفوذ، وإذا استطعنا أن نقوى على أنفسنا في هذين الأمرين نكون قد ملكنا القدرة على الاستقلال، ولن يكون لمخاطر الخارج علينا من سبيل، لسبب واحد أساسي وهو أننا مع أي مواجهة مع عدوان الخارج يكون المعتدون يدافعون عن مصالحهم، وهي تأتي وتذهب وتتهاوى متى انقلبت المصلحة إلى مفسدة، بينما نحن ندافع عن وجودنا، فإما بقاء وإما فناء، وسنظل نذود عن هذا الوجود؛ لأننا لا نملك إلا الدفاع عنه ما دمنا أحياء عبر المعارك المتعددة والمراحل المتطاولة.

وفي مصر، لا يوجد مهدد لها بخطر ذي بال من أنواع الطريق الأول، وهو إثارة الوقيعة بين الجماعات المختلفة، ومحاولات هذه الإثارة لا ترد إلا بين المسلمين والأقباط، وهي بحمد الله نقدر على تفاديها وعلى حفظ وحدة الجماعة السياسية، فنحن بخلاف لبنان في هذا الشأن بالنسبة للتعدد الطائفي المذهبي، ونحن بخلاف العراق أيضا بالنسبة للتعدد المذهبي والقومي، ونحن بخلاف السعودية بالنسبة للتعدد القبلي، وبخلاف السودان بالنسبة للخلافات الإقليمية القبلية والدينية، ولكن مشكلتنا الحقيقية هي فيما يتعلق بالفريق الثاني بعدما اتجهت الدولة وأجهزتها إلى سيطرة فردية تصبح جهيرة بالتحالف الإستراتيجي مع العدو الإستراتيجي.
 

دولة بلا مشروع تنجزه

نحن نعلم أن الدولة وجهازها هي من يقوم بواجب الدفاع عن الوطن ضد العدوان الآتي من الخارج، وأنها هي من يتعين أن يعبر عن الصالح الوطني العام للجماعة السياسية ويتخذ القرارات وينفذ ما يتراءى من سياسات محققة لهذا الصالح الوطني على المدى الإستراتيجي المتاح، ونعلم أيضا أنه إذا عجزت الدولة عن القيام بهذه الوظائف فهي تفقد وظيفتها التاريخية وتفقد شرعية قيامها بالسلطة إزاء شعبها، ويكون حقيقا بها أن تغير من تكويناتها بما ينصلح به حالها إن استطاعت أو أن تتيح للمبادرات الشعبية أن تقوم بما عجزت هي عن القيام به.

ولكننا نلحظ أن نظام الحكم في الدولة بما يعقد من حلف إستراتيجي مع العدو الإستراتيجي يكون قد سلم قيادة الدولة لهذا العدو الحليف، ويكون تنازلا عن سيادة الدولة وعن وظيفتها التاريخية، ويكون قد أفقد بلاده استقلالها، وأن فقدان الاستقلال إما أن يأتي من احتلال عسكري مباشر كما كان يحدث في القرون السابقة، أو بحصار وضغوط سياسية واقتصادية تفقد بها الدولة القدرة على اتخاذ القرارات المعبرة عن الصالح الوطني، أو يكون بهذه الطريقة الحادثة، طريقة عقد الحلف الإستراتيجي مع العدو الإستراتيجي، مما يجعل آلة الدولة تتحرك إلى ما يحقق الإضرار الوطني بدلا من الصالح الوطني، وبما يجعلها تحقق الصالح الأجنبي وتنصاع له وتعبر عنه وتحميه ضد معارضة شعبها ومقاومته.

على أنه يتعين هنا أن نفرق بين نظام الحكم الذي يتخذ هذه السياسات وبين أجهزة إدارة الدولة التي تتشكل من الفنيين وأصحاب التخصصات المهنية في كل من ميادين العمل والنشاط الحكومي والمؤسسي، سواء في المجال العسكري أو مجالات الإنتاج والخدمات وغيرها، وأقصد بنظام الحكم هذه القلة القليلة الممسكة بزمام الدولة في مراكزها العليا والتي ترسم السياسات وتتخذها وتجبر أجهزة التنفيذ عن تحقيقها. وأن التنظيم الاستبدادي قد أعطى هذه القلة صلاحيات مطلقة في التصرف وفي الإمساك بزمام أجهزة الدولة كلها وفي إخضاعها للنفوذ الشخصي لهذه القلة التي يعبر عنها شخص واحد هو رئيس الدولة وهذا أمر سبق وصفه في كتابات سابقة.

على أن ما أريد أن أوضحه هنا أن السعي للسيطرة الفردية على دولة مترامية الأطراف كأجهزة الدولة المصرية، قد اتبع فيما اتبع أساليب سيطرة عديدة، ومنها تفكيك أجهزة الدولة والإدارة وصرفها عن وجوه الأنشطة الموضوعية التي تكونت من أجل تحقيقها، ذلك لأن أي رئاسة لأي جهاز إدارة أو مؤسسة يمكن أن يسيطر عليها ويضغط عليها هذا الجهاز، ويمكنه أن يحاصرها ويجعلها أسيرة له، وقد عرف ذلك في أمثلة تاريخية وواقعية كثيرة، وذلك إذا كان هذا الجهاز ذا نشاط تخصصي فعال وذا علاقات نوعية قوية بغيره من الأجهزة وذا إرادة ذاتية تتراكم خبراتها وتجاربها عبر وجوه النشاط الفني المبذول، وذا استقلال نسبي للعاملين به من حيث أوضاعهم الوظيفية ومن حيث ضمانات بقائهم في عملهم والأسس الموضوعية المستقرة والتي يتعاملون بها، ويكون ضغط مثل هذه الأجهزة والمؤسسات على رئاساتها الفردية من خلال المؤدي العام للعمل؛ لأنها هي من يجمع المعلومات ويحللها ويصنِّفها ويقدمها لرئاسته؛ ولأنها هي من ينفذ القرارات الصادرة من الرئاسة ويضعها في التطبيق، ولأن الفشل والنجاح للعمل المؤدي معلق على كيفية اتخاذ القرار وتنفيذه بواسطتها، ويساعد على ذلك أيضا أن الرئاسات الفردية تكون متغيرة تتداول الرئاسة لفترة محدودة، فيكون التكوين القاعدي في الهرم الإداري هو الأكثر ثباتا واستقرارا.

كل ذلك تغير في مصر إلى النقيض خلال العقدين الماضيين. وتلك الكوابح المؤسسية التي تلجم انطلاق السيطرة الرئاسية الفردية على الأجهزة المؤسسة، ما لبثت أن ضعفت ثم ضمرت ثم كادت أن تتلاشى، فالرئاسة لم تعد مؤقتة لا بالتداول التنظيمي الدوري، ولا بالحدود القصوى للعمل سنوات معدودة أو لسن محدودة، ولا بأي قاعدة موضوعية تصدق على الناس بأوصافهم لا بذواتهم فصارت الرئاسة مؤبدة، والتأبيد لا يعني الدوام ولكنه يعني عدم تحدد المدة والبقاء لمدة لا يعرف المتعاملون لها نهاية. وهذا الأمر يعادله ويقوم إزاءه أن صاحب السلطة الرئاسية قد ملك بالواقع والقانون مكنة أن يخرج التالين له في العمل بإدارته الفردية وبمحض مشيئته الخاصة، ومن ثم اختل التوازن كليا وتغير من النقيض إلى النقيض في علاقة الرئاسة الفردية للمؤسسة بالجهاز القائم فيها، واختل التوازن بما لا يقاس بالنسبة لرئاسة الدولة التي صار رئيسها الأوحد يملك من السلطة على كل العاملين بهذا الجهاز الطويل العريض القديم الحديث، تملك من ذلك ما لم يملكه رئيس ولا ملك ولا أمير ولا والٍ فيما نعرف من تاريخ هذا البلد.

ومكن من ذلك طبعا أن الدولة خلال ربع القرن الأخير، لم يكن لها أي مشروع تقوم به أو تنجزه، ولا وجدت أن ثمة داعية لها لأن تستكمل ما كان بدأ بناؤه ولم يكن استكمل بعد، دولة لم يعد لها أي مشروع تقوم به، المصانع تتركها لتصدأ وتتعطل، العمال تتركهم ليكبروا في السن فيتقاعدوا دون بديل أو يخرجوا "بالمعاش المبكر"، الأرض الزراعية تتركها لتقام عليها الأبنية وتفقد صلاحيتها، والتعليم ترك ليفسد وليسوء مستوى المناهج ومستوى المدرسين ولتنمو بتلقائية الدروس الخصوصية، والجامعات تركت ليهرب أساتذتها من مصر للخليج فتفقد مصر جهودهم دون بديل ذي بال في الخليج، والصحافة تركت تتهاوى إلا من ذكر تأثير الرئيس وإثارة القضايا غير ذات الأهمية، وبث الفرقة بين المصريين في مسائل فكرية مجردة، ومدخرات المصريين من العمل بالخارج فتحت لها أبواب الإنفاق غير الاستثماري، وذلك في مشروعات المدن الجديدة، والساحل الشمالي وشواطئ الإسماعيلية.

والأخطر من ذلك والأهم أن أي جهاز مؤسسي إنما يتكون من تخصص معين ولمهام نوعية معينة توكل إليه، ويجمع رجاله من خلال تخصصهم المناسب وتتراكم خبراتهم بما يوكل إليهم تباعا من مهام نوعية، ونحن عندما لا نطلب منه عملا فهو يركد ويعلوه الصدأ وتفسد علاقات تكويناته بعضها مع بعض، وعندما نصرفه عن عمله إلى عمل آخر تتضارب وظائفه ويفقد رجاله قراراتهم، وتتفكك أوصاله وروابطه التنظيمية، كجيش مثلا نطلب منه مهام استثمارية، أو قضاء نحيل إليه مهام إدارة أموال محروسة، وهكذا.. ويزيد الأمر تفكيكا وعطبا، أن تجعل راتب العامل أو أجره  لا يكفي ضرورات معيشته، فيبحث عن مورد آخر، وعادة ما يجده ولكنه يكون خارج إطار عمله الأصلي، فتضعف علاقته بعمله الأصلي، وهو يجده بغير ضمانات الوظيفة والأجر الذي يوفره له عمله الأصلي، فيكون ما هو مضمون وقانوني غير كافٍ ولا عاد ذا أهمية، ويكون ما ليس قانونيا ولا مضمونا هو ما يسد الرمق ويشبع الاحتياجات ولكنه مؤقت، فلا يصير الإنسان منتجا في عمله الأول لعدم كفاية الدخل المتحقق منه، ولا يكون منتجا في عمله الآخر لتأقيته وعدم استغراقه لحياة الشخص، ثم يتوج ذلك كله أن يكون لرئيس العمل إمكانية إنهاء عمل العامل، وأن يكون له أن يجدد عمل الموظف الكبير كل سنة أو كل سنتين، أو ثلاث، كما حدث فعلا في القوانين التي صدرت من 1991 إلى 1994 و1998 بالنسبة للعاملين بالدولة وقطاع العام والجيش والشرطة، هنا تكمل السيطرة الفردية للرئيس ويتم التفكك في ذات الوقت ولم يبق إلا الشرطة جهازا ذا فاعلية في حمايته للحاكم، ولكنها تحت السيطرة الفردية القابضة.


تفكيك رسمي وشعبي

لا أريد أن أطيل على القارئ، ولكنني أريد أن أوضح أن مصر اليوم مفككة على المستويين الرسمي والشعبي، ولكنه شتان بين المستويين؛ لأن المستوى الرسمي صار نظام الحكم أو القائمون عليه، على تحالف إستراتيجي يفصحون عنه، مع من نعتبرهم أعداء الوطن والأمة، وصار جهاز إدارة الدولة على تفكك تنظيمي أسلفت الإشارة إليه في الفقرات السابقة، وهو في تفككه غير قادر على القيام بوظائف الدولة التقليدية من ذود عن الوطن والاستجابة للاحتياجات الأساسية للجماعة السياسية. ولم يعد ذا فاعلية فيه إلا الشرطة الموكل إليها حماية أمن القائمين على الحكم. ولكن حتى هؤلاء في النهاية وفي غير ما يتعلق بأمن القائمين على النظام يلحقهم ما يلحق غيرهم في المدى الأطول نسبيا.

أما بالنسبة للمستوى الشعبي، فإن عوامل السخط والثورة تتجمع لدى النخب من المهنيين والمثقفين بقدر غير مسبوق في العقود الأخيرة، وهؤلاء هم من تتشكل منهم المؤسسات المختلفة، سواء في داخل هيئات الدولة أو في هيئات المجتمع المدني، وحركاتهم يمكن أن تظهر من خلال النقابات المهنية وغيرها من تشكيلات المجتمع المدني التي تضم جمعيات وأحزابا وصحافة وغير ذلك. والحركة بينهم تتسع نسبيا وتتصاعد ببطء ولكن في ثبات نسبي، بمراعاة ما جرى خلال السنة ونصف السنة الأخيرة؛ ولهذا التحرك أثر هام لا شك، ولكنه لم يبلغ حد الحسم، وليس من شأنه أن يبلغ حد الحسم إلا باتصال بالجموع الأوسع.. والجموع الأوسع والأكثف تتراءى في الأساس حيث يتجمع الناس.. والناس تتجمع على سبيل المداومة والاعتياد الضروري في المدن وهم في المدن يتجمعون عمالا في المصانع وطلبة في الجامعات والمدارس ومصلين مترددين على المساجد، وعلى هذه العتبات ينبغي أن يسعى رجال العمل.

وإذا كان التفكك حادثا في مجال الأنشطة الشعبية، فإن العزم على التجمع والتشكل المؤسسي من شأنه أن يوجد حركة توحيد وتقارب معاكسة لحركة التفكيك، لدينا نقابات مهنية على قدر من التماسك والتنظيم الحميد وقدرة على اتخاذ القرار الذاتي وحشد أعضائها في ضوئه، ولدينا النوادي المهنية ذات قدرات مشابهة، وأعضاء كل أولئك منتشرون في أجهزة الدولة وفي هيئات المجتمع الأهلي، ولدينا التنظيمات الحزبية، سواء ذات الوجود الشرعي وهي ضعيفة في صلتها بجماعات الرأي العام ولكنها موجودة، أو التنظيمات السياسية المحجوبة عن الشرعية. وهي ذات مكنات تنظيمية تتفاوت في الانتشار والوثوق ولكنها قابلة للنمو وللحركة على كل حال، والأضعف منها بشكل نوايات والنواة قادرة على بلورة جماعات وعلى النمو السريع في ظروف حراك اجتماعي وشعبي قوي.

ولدينا اتحادات للطلبة ابتكرت وجه نشاط جديد لما وجدت الحكومة تسد عليها وجه الانتخابات والاختيارات الحرة والنزيهة في الاتحادات الطلابية المعترف بها رسميا، قامت بإجرائها أهلية أو عرفية وأنشأت اتحادات موازية للاتحادات الحكومية، وكان هذا نوعا من العصيان المؤسسي الحميد والمبتكر في الساحة المصرية، وهو شبيه بفكرة "الأحزاب تحت التأسيس" وانتشار هذا الأسلوب في التكوين المؤسسي العرفي سيطلق إمكانات تنظيمية جديدة تماما وتكون مؤثرة بقدر انتشارها.

ولدينا نقابات عمالية ولكنها صارت واهية جدا ومسيطرا عليها من جانب الدولة، وذلك يرجع طبعا في واحد من أهم أسبابه إلى المتابعة الأمنية لهذه المؤسسات والتداخل فيها، وهي ظاهرة قديمة، وإن كانت استفحلت مع استفحال النفوذ الأمني في كل مقدرات الدولة وتنظيماتها وتعينياتها وتشكيلاتها، حتى في الإعلام وفي القضاء ناهيك عن رجال الأزهر والجامعات وناهيك عن تكوين الجمعيات الأقل خطرا من النقابات العمالية.

إنما ثمة سبب آخر يبدو هاما فيما ألاحظ وهو أن النظام الناصري في الستينيات عندما قرر تمثيل العمال في مجالس إدارة شركات القطاع العام، إنما كان يقصد من ذلك أن يكون العمال مشاركين في اتخاذ القرارات الخاصة بالشركات، وأن يكون صوتهم مسموعا لدى الفنيين من مديري هذه الشركات عندما يتخذون سياساتهم ويصدرون قراراتهم، فلما تحول النظام الاجتماعي الاقتصادي لمصر في عهدي السادات ومبارك إلى نقيض ما كان عليه في العهد السابق عليهما، انعكست الوظيفة المؤداة، وبدلا أن يكون العمال في مجالس الإدارة وسيلة وقناة لهم لدى أصحاب القرار، صار هؤلاء العمال وسيلة وقناة لأصحاب القرار لدى العمال ينفذون ما تراه الإدارة ويطوعون المجال العمالي للسياسات العليا المتخذة، وقد قاموا بدور مؤثر جدا وهام جدا لا في قمع الحركات العمالية، فهذه وظيفة الشرطة، ولكن في تدجين الحركة العمالية وإفسادها من الداخل ونقل عوراتها إلى الإدارة العليا وسلطات الدولة وهو ما أدى إلى هذا الهدوء الملحوظ في تطبيق سياسات تصفية شركات القطاع العام، وتوقف المصانع عن العمل وانتشار فكرة المعاش المبكرة للتخلص من العمالة في هذه الشركات.

والعنصر الثالث هو أن سياسة الحكومة الثابتة على مدى ربع القرن الأخير في التخلص من مصانع القطاع العام، وتصفيتها (بما يذكرنا بتدمير صناعات محمد علي على عهدي خلفيه عباس الأول وسعيد) قد هدّت من القاعدة الشعبية الأساسية للطبقة العاملة وهزتها هزا عنيفا جدا بحيث لم يعد تكوينها الإنساني العضوي على ذلك القدر من الثبات الاجتماعي والذي يولد التجمع والتحرك المنظم والفعال لصالح هذه الطبقة الاجتماعية.

والعنصر الرابع هو أن العمالة الجديدة التي نشأت في شركات القطاع الخاص المنشأة حديثا في هذا العهد الأخير، سواء كانت عمالة جديدة تماما أو عمالة منقولة من شركات القطاع العام التي جذبها القطاع الخاص الجديد، هذه العمالة لم تكن طبعا محمية بالضمانات القانونية التي كفلتها تشريعات القطاع العام للعمال، ويزيد على ذلك أن أصحاب الأعمال لجئوا -بالتآمر مع قيادات في الحركة النقابية العمالية وبالتآمر كذلك مع أجهزة الدولة الرقابية في هذا المجال- إلى حيل قانونية أفقدت العمال والعاملين في القطاع الخاص كل الضمانات التي كفلتها القوانين وسوابق القضاء لهم للعاملين في القطاع الخاص بموجب عقود العمل الفردية، وذلك بعد ما صار عقد العمل الموقع من العامل عند تعينيه لا تكون لدى العامل منه نسخة موقعة من صاحب العمل، وأن يوقع العامل على إقرار له غير مؤرخ بالاستقالة من العمل، يوقعه مع عقد العمل ذاته لدى صاحب العمل يفصل به صاحبُ العملِ العاملَ عندما يشاء بغير أي ضمانات، وهذه أسباب أراها ذات أثر فيما نلاحظه من خفوت الصوت ووهن المردود الاجتماعي والسياسي للعمال في هذه الأيام، والأمر هنا يحتاج للإنعاش بعمل صبور ودءوب لإعادة بناء حركة هي عزيزة جدا على المجتمع المصري وذات أثر يكون فعالا إن شاء الله.

على أنه من جهة أخرى، فإننا نلاحظ في ظاهرة تفكك الدولة، أن مظاهر هذا التفكك قد لا يكون باديا للعيان بصورة جهيرة، وهذا طبيعي؛ لأن بَدْأَها بصورة جهيرة يكون هو في ذاته الإيذان الجهير بانتهاء نظام وبدء نظام آخر. إنما الملامح واضحة حسبما ظهرت في أضعف حلقات البناء الإداري والتنظيمي لجهاز الدولة، مما يتمتع باستقلالية ذاتية نسبية أكثر من غيره، وهذا ما ظهر في حركة نادي القضاة، كما يظهر في حركات أساتذة الجامعات، ثم فيما نعايشه من أحداث ونعايش ردود فعله بين من يحيون في سائر أنحاء هذه الأجهزة، ثم في حركات النقابات المهنية، وأن حركة أجهزة الإدارة لا تبدو فيما تبدو به حركات المجتمع الأهلي ولا الوسائل ذاتها، إنما تبدو بآثارها أحيانا، إما في صورة تشدد يخرج القائمين على الأمر ويزيد الصراخ من أفعالهم، وإما بتراخ في التنفيذ ونقل المعلومات يتيح لصاحب الحركة أن يتحرك بعض حركيته المنشودة. وعلينا أن نرقب هذه الأمور جيدا.. رعى الله مصر وألهمها الرشاد والسعي الفعال لما فيه الخير.


* نشر بموقع إسلام أون لاين بتاريخ 2/9/2006

** مفكر وقاض ومؤرخ مصري.

10:16 - 2006/9/16 - التعليقات {0} - للتعليق


إن مواد الدستور الثلاثة الأولى حددت بوضوح الهوية الاسلامية للدولة

بقلم Unspecified

البشرى لقناة العربية:

إن مواد الدستور الثلاثة الأولى حددت بوضوح الهوية الاسلامية للدولة

 مصر غير علمانية بنص الدستور وتستمد قوانينها من الشريعة

 

دبي - فراج اسماعيل

أكد المستشار طارق البشري النائب الأول لرئيس مجلس الدولة ورئيس الجمعية العمومية للفتوى والتشريع السابق أن مصر بنص دستورها الحالي ودساتيرها السابقة التي تمتد إلى عام 1923 ليست دولة علمانية.

وقال في تصريح خاص لـ(العربية.نت) إن "دساتيرنا كلها منذ عام 1923 تنص على أن دين الدولة هو الاسلام، ولا يذكر أن هناك دستورا من الدساتير العديدة التي عرفتها مصر منذ ذلك التاريخ حتى اليوم لم يذكر هذا النص الذي يقول إن دين الدولة هو الاسلام".

وأضاف ان "الدستور الدائم الذي صدر عام 1971 والساري من 35 عاما حتى الآن ينص على أن مصر جزء من الأمة العربية، ودين الدولة هو الاسلام، واللغة العربية  لغتها الرسمية، ومبادئ الشريعة الاسلامية المصدر الرئيسي للتشريع".

وتساءل: كيف تكون مصر علمانية وهذا النص موجود بوضوح في دستورها، ولا أدري ماذا يقصد  (د. أحمد نظيف) بالعلمانية في هذا الشأن؟. فاذا كانت الشريعة الاسلامية بنص الدستور هي المصدر الرئيسي للتشريع، والاسلام هو دين الدولة.. فكيف يمكنه تفسير هذه النصوص وهي التي تحدد الهوية المصرية بأنها عربية واسلامية وتحدد أيضا المرجعية للقوانين والنظم.

واستطرد المستشار البشري بأن النصوص الأولى في أي دستور تحدد الهوية الخاصة بالجماعة الوطنية والسمة الغالبة فيها من الناحية الثقافية، وتحدد أيضا المرجعية وهذا ما صنعته المادة الأولى والثانية والثالثة من الدستور المصري الساري حاليا.

وتساءل مرة أخرى: "لا أعرف ماذا كان يقصد (د.نظيف) بالعلمانية وما هي الطريقة التي فسر بها هذه النصوص. ان نص المادة الثانية من الدستور يؤكد بما لا يدع مجالا للشك بأن مصر ليست دولة علمانية وهذا معروف للكافة.. فماذا يمكن ان نقول في نص واضح وصريح. ليسئل د.نظيف نفسه عما يقصده".

وكان المستشار طارق البشري يرد على سؤال لـ(العربية.نت) حول ما صرح به د. أحمد نظيف رئيس الوزراء المصري لقناة (العربية) بأن "مصر دولة علمانية تفصل الدين عن السياسة، لكنها تعتمد الشريعة الاسلامية مصدرا أساسيا للتشريع".

ويوصف البشري الذي أحيل إلى المعاش عام 1998 بأنه "شيخ القضاة والمشرعين في مصر" وكان وقت احالته إلى المعاش لبلوغه السن القانونية نائبا أول لرئيس مجلس الدولة ورئيسا للجمعية العمومية للفتوى والتشريع، ووالده هو المستشار عبدالفتاح البشري الذي كان رئيسا لمحكمة الاستئناف حتى وفاته عام 1951 م وكان جده سليم البشري شيخا للأزهر.

ولطارق البشري عدد كبير من الكتابات في الفكر والقانون والتاريخ من أشهرها (الحركة السياسية في مصر 1945 – 1952 والديمقراطية والناصرية، والمسلمون والأقباط في اطار الجماعة الوطنية ودراسات في الديمقراطية المصرية، وبين الاسلام والعروبة "جزئان" ومنهج النظر في النظم السياسية المعاصرة لبلدان العالم الاسلامي).

02:08 - 2006/9/6 - التعليقات {0} - للتعليق


حوار على موقع كفاية نقلا عن الوفد 3/9/2006

بقلم Unspecified
طارق البشرى: الاستقلال الوطني شرط أساسى لتحقيق النهضة
  شغلت مسألة النهضة الفكر العربى منذ بدايات القرن التاسع عشر.. وأعيد طرحها من جديد فى أواسط القرن العشرين، ومع نهاية القرن.. اكتشفنا أنها كانت وهما.. أو حلما تبخر مثل أحلام كثيرة بزغت.. وسرعان ما خبت. اكتشفنا ونحن نودع القرن العشرين.. أننا خرجنا منه أسوأ مما دخلناه.. وأن كل المشروعات النهضوية التي بدأناها.. وكل التجارب التى خضناها.. حرث فى البحر.. وأننا من جديد نعيد طرح أسئلة النهضة وإن بصيغ وتعبيرات مختلفة.. وقسوة ومرارة الأحداث الجسام التي حولتنا إلى أمة مستباحة.. بالغة الضعف والرخاوة.. ممزقة الأوصال إلى حد التداعى.
لماذا بقيت أسئلة النهضة تطرح إلى الآن؟ هل لأن النهضة لم يتحقق منها شىء، وذهبت جهود الرواد الأوائل سدى، أم لأن الشعوب والمجتمعات العربية بطبيعتها جامدة تتأبى على التغيير وتنفر من النهضة؟ أم أن السلطة السياسية كانت هى العقبة الكؤود فى هذا السبيل.
سؤال النهضة هو سؤال المستقبل.. الذى بحثنا عن إجابته لدى عديد من المفكرين من اتجاهات مختلفة ونبدأه مع المؤرخ المستشار طارق البشرى.
* لماذا أخفقت النهضة العربية؟
- قد اختلف معك فى أنها أخفقت، منظورا للأمر من ناحية الجدية المحاولات المصرية والعربية وصواب الطرق التي طرقتها بالمعنى الاجتماعى والاقتصادى فإن النهضة لم تحقق نتائجها، وانتكست كثيرا بسبب العدوان الخارجى، إذا كنا نتكلم عن الفترة منذ محمد على وحتى اليوم، فمشروع محمد على الذى مهد له من سنة 1815 وحتى سنة 1820 وحققه من سنة 1820 وحتى سنة 1840 انتكس بالفعل بعدوان خارجى عليه من الدول الأوروبية كما هو معروف تتابع الأحداث التى أدت إلى مؤتمر لندن سنة ،1840 وإجبار مصر على تخفيض جيشها من »360 ألف مقاتل فى بلد لا يزيد عدد سكانه علي 7 ملايين نسمة إلى 18 ألف جندى«، وكان الجيش هو القاطرة التى تقود التعليم الجامعى والمهنى المتخصص فى الهندسة والطب والعلوم وغيرها، وتدفع البعثات من أجل هذا التعليم، وكان هو القاطرة التى تحفز إنشاء المصانع من أول النسيج وحتى الذخيرة، وقد ضرب كل هذا فى فترة تالية.
وقد بدأ التسرب الأجنبى لمصر فى عهد سعيد، حيث تمت السيطرة عليها وإخضاعها للسوق العالمى، ثم احتلالها عسكريا فى ،1882 وزالت الإرادة المصرية فى ذلك الوقت.
* لكن بدايات القرن العشرين شهدت صحوة جديدة، ربما فاق تأثيرها ـ خصوصا على صعيد المطالبة بالاستقلال الوطنى ـ ما جرى خلال العقود السابقة؟
- هذا صحيح، إذ ظهر بالفعل مشروع نهضة جديد مع بداية حركة الاستقلال السياسى، بدأ متلكئا فى سنة 1910 ـ سنة ،1911 مع أحزاب الوطني والأمة وتم وضع برنامج جديد للنهضة المصرية، بدا أنه قابل للتحقق مع ثورة سنة ،1919 وفى إطار الموازين الدولية والسياسية الداخلية، كان يتحقق منه وينجح بقدر ما تتحرر الإرادة الوطنية المصرية، وتنجح فى تعبيرها عن الصالح العام، وفى قدرتها على تحقيق هذا الصالح الوطنى، من ناحية التعليم، الصناعة، ومناحى التطوير الثقافى عموما.
ومع ثورة 23 يوليو ،1952 وبقدر ما استطاعت أن تحقق من استقلال لمصر، كان مشروع النهضة على المستويات العلمية والثقافية والصناعية والتوسع الزراعى يجد صداه، وبدأت الانتكاسة مع إنتكاسة هذا المشروع فى يونيو سنة 1967.
فى ذهننا بطبيعة الحال هل الأمراض والأدواء التي صاحبت كل تجربة من هذه التجارب، ولكننا عندما نضع الملامح العامة نجدها جميعها فى هذا الإطار، مع إدراك أن الملامح العامة فيها قدر من التعميم يتوقع منه الخطأ أحيانا فى الحكم على الأشياء، ولهذا نجد فى الفترة الحالية أن مشروع النهضة المصرى لم ينتكس فقط وإنما تتقوض أسسه التى بنيت ليس من عام 1952 فقط وإنما مع بدايات القرن العشرين، أسسه فى الصناعة، وفى استرداد القدر المعقول من سد الحاجات الأساسية للشعب المصرى من داخل أرضه وبسواعد رجاله، وأسسه فى بناء نهضة تعليمية على المستوى العام فى المدارس وعلى مستوى التخصصات العلمية، وعلى مستوى النهوض الجامعى رفيع المستوى كل هذا لم يضعف فقط وإنما بدأ التقوض فى أسس بنائه خلال ربع القرن الأخير.
حدث ما قوض أسس هذا البناء، وأهدر جهود المصريين قبله قرنا كاملا بالنسبة للتكوين المؤسسى وهياكله، التعليم بمستوياته المختلفة، الصناعة، زيادة الرقعة الزراعية، وبالنسبة للسياسات العربية والدولية التي ترعى أسس استقلال الوطن، وتستهدف تحقيق رؤية استراتيجية للصالح الوطنى العام، وهذا التقويض الذى يحدث مرتبط ومتواكب مع الهيمنة الأجنبية على القرارات المصرية.
* بعض التحليلات تذهب إلى أن الاخفاق المتكرر للمشروعات النهضوية جري فى الأساس بسبب ارتباط هذه المشروعات بالدولة، خصوصا أن الدولة فى القسم الأكبر من تاريخها لم تكن ديمقراطية بأى معنى من المعانى؟
- أتفق معك فى أن هذا سبب، لكنه ليس منفصلا عن السبب الأول، والدولة عندنا لم تتشخصن، بمعني أنها لم تكن خاضعة لإرادة شخص واحد لا تتحداه قوة أخرى، بهذا القدر قط على مدى القرن الماضي، مثلما هى فى ربع القرن الأخير.
وأتصور أن الداعم الأساسى للهيمنة الفردية فى مصر كان يقف وراءها الدعم الأجنبي، هكذا كانت السرايا، توفيق وغيره، فؤاد ثم فاروق، حكم عبدالناصر كان مستبداً وفرديا، إنما كان يخضع لمشروع سياسى استقلالى وضرب استعماريا لا بسبب فردية أو ديكتاتورية عبدالناصر، وإنما بسبب استقلاليته السياسية.
* تبدو المسألة هنا وكأن النظام السياسى بريء مما جرى، وأن الاخفاقات المتكررة للنهضة سببها فقط عدوان خارجى، يعنى استبداد النظم لا صلة له بالمسألة؟
- فكرة الديمقراطية عندنا أخذناها من الغرب، لكننا لم ننتبه إلى أن النظم الديمقراطىة الغربية وبناء المؤسسات لم يكن شخصانيا، والمفروض أننا نطبقها فى بلادنا لدعم مشروعات النهوض المستقل، مستفيدين من خبرة الآخرين فى تنظيمات الدولة وتنظيمات المجتمع، فلا نهوض بغير تبنى أسس مثل هذا التنظيم للدولة ولا المجتمع، هذا ما ترسخ فى أذهاننا لكن فى كثير من الأحيان فإن الدعاوى الديمقراطية التي يمكن أن ترد إلينا من الدول الغربية، وهى تأتى غالبا باعتبارها دعاوى سياسية، إنما تأتى لاشاعة الخلل فى أسس النظام القائم إذا كان معاديا لها، أو لتوجيه أطقم سياسية يرون أنها فقدت صلاحياتها وانتهى عمرها الافتراضى، أو للضغط على هذه القيادات المطيعة من أجل مزيد من الانصياع، وما يتعين أن نعرفه هو أن نميز بين هذين الأمرين.
مجموعة أسباب تعوق النهضة ذات فعالية وخطورة أكثر من غيرها، ومنها العنصر الخارجى وضغوطه، لكن هذا لا يمنع من الاهتمام بالعناصر الأقل أهمية لإزالتها وهو كما ذكرت الاستبداد الداخلى.
وعموما يمكن أن أقول إنه بدون الديمقراطية الداخلية لن نستطيع أن نحتفظ باستقلالنا السياسى، وهذا هو الدرس الذى نستفيده من تجربة المرحلة الناصرية.
وأنه أيضا بدون المضمون الوطنى للنهوض وبدون الاستقلالية السياسية لن يقوم عندنا نظام ديمقراطى، وهذا هو الدرس الذى نستفيده من ثورة سنة 1919 لأن هذه الثورة نجحت بقدر ما استطاعت أن تربط بين هدف الاستقلال الوطنى وتحرير الإرادة السياسية، وهدف البناء الديمقراطى، صحيح أن نجاحها لم يكن كاملا، وإنما القدر المتيقن أنها بقدر ما استطاعت أن توحد بين هذين الهدفين نجحت، وأن نجاحها فى أيهما من حيث القدر كان مرتبطا بنجاحها فى الجانب الآخر من حيث القدر أيضا.
أقصد هنا أن أشير إلي أن دعوة الديمقراطية التي نلتقى جميعا حولها اليوم، لابد أن تكون ذات مضمون استقلالى، وأنها مرتبطة ارتباطا لا ينفصم بتحرير الإرادة السياسية الرسمية من النفوذ الأجنبى عليها، وأنها قد تكون مرتبطة بالأسس التى يتحقق بها الأمن القومى للجماعة السياسية فى مصر.

01:54 - 2006/9/6 - التعليقات {0} - للتعليق


حوار على جريدة العربى15/1/2005

بقلم Unspecified

المستشار طارق البشري حول المواطنة وهموم الأقباط‏:‏

أرفعوا الوصاية عن أقبــاط مصر

المستشار طارق البشرى

‏ أجري الحديث ـ محمد عبد الغني علام


أثارت كلمات الأنبا بسنتي في حواره مع الأهرام العربي العديد من ردود الأفعال واسعة النطاق‏,‏ فالرجل أخرج ما في جعبته وطالب بوجود كنيسة في كل شارع‏,‏ طالب بوجود تمثيل نسبي للأقباط في الوظائف العامة وفي المجالس التشريعية‏,‏ ونظرا لخطورة هذه الكلمات وأثرها علي وحدة النسيج الوطني التقت الأهرام العربي بواحد من حكماء الأمة الذين يتمتعون بأمانة العرض وبشجاعة الموقف ودقة العبارة القاضي الفاضل الذي يزن الكلمات ـ بميزان العدل ـ المستشار طارق البشري أحد المتخصصين في دراسة شئون الأقليات وصاحب الكتاب المتميز المسلمون والأقباط‏.‏
الأهرام العربي التقت بالمستشار طارق البشري وناقشت معه كل القضايا التي أثارها الأنبا بسنتي وغيرها من هموم الوطن في هذه اللحظات الفارقة في تاريخ مصرنا‏,‏ وفي تاريخ أمتنا في هذه اللحظات التي تواجه فيها الأمة كثيرا من التحديات وكثيرا من الإرهاصات في ظل تداعيات دولية وإقليمية لا تخفي علي أحد وفي هذه اللحظة كان لابد من هذا الحوار الساخن‏.
**‏ كمؤرخ وقاض تعاملت مع مواقف حرجة في أثناء موقعك السابق كنائب لمجلس الدولة كيف رأيت معالجة الأزمة الأخيرة التي أثيرت في موضوع وفاء قسطنطين؟
في تصوري أن إدارة الكنيسة أخطأت في معالجتها للأزمة‏,‏ وسياستها الأخيرة انعكست علي أقباط مصر أنفسم ويمكن تفسير هذا في علاج الأزمة الأخيرة والمتعقلة بالمواطنة الفاضلة وفاء قسطنطين‏,‏ أن إدارة الكنيسة صادرت بسلوكها الأخير مفهوم الوحدة الوطنية للصالح الكنسي وحده‏,‏ في محاولة ذاتية للمزج بين الصالح القبطي كما تراه الإدارة الكنسية‏,‏ وكما تروج له بين شبابها‏,‏ وبين الصالح الوطني العام لمصر بمسلميها ومسيحييها‏,‏ مستندين في ذلك إلي أنهم الطرف الثاني الفاعل في الوحدة الوطنية وماداموا كذلك‏,‏ فليكونوا هم الدليل أيضا علي وجودها وعدم وجودها‏,‏ واحتكار الوحدة الوطنية باعتبارهم هم المعيار وليس الدليل فحسب أن مؤسسة الكنيسة عندما تستغل فرصة الوهن فهي تكون قد استبدلت الذي هو أدني بالذي هو خير‏,‏ بانضواء المسيحيين في الجماعة الوطنية والواقع أن ما حدث ليس دليلا ولس معيارا وليست الإدارة الكنسية وحدها طرفا ثانيا في اتفاق ثنائي‏,‏ فالجماعة السياسية الوطنية العامة تفرض نفسها علي كل محتوياتها من أصحاب الأديان والطوائف والمذاهب والمهن والأقاليم‏,‏ مع مراعاة الأحجام والمقادير التي تتكون منها الجماعة الوطنية‏,‏ بهدف تحقيق العدالة وإلا اختلت الموازين‏.‏
إن الوحدة الوطنية إلزام وطني للأقباط والمسلمين أيضا بلا من أو تعال وبلا مزايدة‏.‏
**‏ هل أفهم من تعبيرك أن الإدارة الكنسية هي التي دفعت في هذا الاتجاه والأمر يحتاج إلي مراجعة الإدارة الكنسية لسياستها حتي لا يتكرر ما حدث؟
المعروف أخيرا أن الإدارة الكنسية استوعبت كل المؤسسات والتكوينات الخاصة بالنشاط الاجتماعي بين الأقباط في مصر حتي المجلس الملي المختص بإدارة شئون المال‏,‏ أصبح مستوعبا هو الآخر داخل الإدارة الكنسية بعد أن كان مستقلا في هذا الشأن‏,‏ وبذلك سيطرت الكنيسة علي كل الشئون المتعلقة بالنشاط الاجتماعي‏,‏ وأصبح مرتبطا بالكنيسة‏,‏ وصيرت الإدارة الكنسية نفسها بذلك واسطة بين الأقباط والدولة وهذا الأمر يتنافي وولاية الدولة علي مواطنيها وهي بذلك عزلت نفسها عن الجماعة الوطنية‏,‏ وعن المواطنين الأقباط أيضا باعتبارهم نسيجا ممتزجا في الجماعة الوطنية‏.‏
‏**‏ إذن هل تطالب بإعمال التعددية في اتخاذ القرارات داخل الإدارة الكنسية وأن ذلك قد يحول دون تكرار تلك الأزمات بما يخدم صالح الأقباط والجماعة الوطنية معا؟
نعم وبكل صدق أقول إنه وكما تطالب الإدارة الكنسية بالتعددية في مؤسسات الدولة‏,‏ والمجتمع المدني‏,‏ فهي مطالبة أيضا بإعمال التعددية في معالجة شئون الأقباط علي أن يكون الشأن الديني من اختصاص الكنيسة أما إدارة الشأن الدنيوي فيجب أن يكون مستقلا ومنفصلا عن الإدارة الكنسية‏,‏ يقوم عليه رجاله من الأقباط القادرين علي التعاون في الشأن بما يخدم قضايا مواطنيهم ووطنهم‏.‏
وبذلك لا تعزل الإدارة الكنسية نفسها عن أقباط مصر ولا الجماعة الوطنية‏(‏ مسلمين وأقباط‏)‏ ولا تتسع الفجوة بينها وبين المجتمع الرسمي والمدني بما يجنب مصر أخطاء القرارات الفردية‏.‏
‏**‏ هل صحيح أن غلق الأبواب أمام وصول شكوي تلك الحالات الفردية التي تتعرض لظلم وظيفي مثلا هي التي تدفعها إلي اللجوء لإدارة الكنسية للحصول علي حقها؟
هذا غير حقيقي وغير مطلوب فمن المفروض أن القبطي هو مواطن مصري بالدرجة الأولي‏,‏ وعندما يواجه بظلم في عمله أو غبن في حق من حقوقه عليه أن يلجأ للسلطة الوطنية فهي المسئولة عن كل مشاكل مواطنيها‏,‏ وهي تضم مسلمين ومسيحيين في نفس الوقت‏.‏
أنا أطالب الأقباط أن يستنصروا بإخوانهم في الوطنية وليس المسيحية فقط ممثلة في الكنيسة وعلي الإدارة الكنسية أن تردهم إلي هذا الطريق لأنه أفضل وأصون للسياج الوطني للمجتمع‏.‏
‏**‏ كمفكر إسلامي وصاحب بحث عن الولاية العامة لغير المسلمين في المجتمعات الإسلامية كيف تري تقلد الأقباط للمناصب القيادية لهيئات ومؤسسات تضم أغلبية مسلمة؟
لا يوجد أي مانع من تولي الأقباط للمناصب القيادية ولكن في إطار ضوابط تولي المناصب في الدولة‏,‏ وأن تكون القرارات التي تتخذ بالأغلبية مسلمين وأقباط داخل الهيئة أو المؤسسة بما يحقق صالح الوطن‏.‏
فالولاية العامة تحولت في مصر الآن من ولاية فردية إلي ولاية هيئات‏,‏ والهيئة تشتمل علي تعدد الاختصاصات وإصدار القرارات الجماعية‏,‏ ولم تعد الولاية العامة منوطة بأفراد وإنما بهيئات ذات وجود موضوعي يضم نخبة من الأشخاص القائمين عليها‏,‏ هذا يحدث في المجالس التشريعية فالأفراد لا يملكون اتخاذ القرار ولكن أغلبية الهيئة التشريعية وفي الهيئات القضائية تتخذ الأحكام في القضايا بإجماع عدد من القضاة سواء كانوا ثلاثة أم خمسة أحيانا ولا يضير في ذلك أن يكون رئيس الجلسة مستشارا قبطيا وكثيرا ما يحدث ذلك‏.‏
إذن لا ضير من اشتراك الأقباط مع المسلمين في هذا الأمر باعتبار أن الهيئة هي صاحبة الولاية وليس الأفراد‏,‏ وأن القرار يصدر بالأغلبية‏.‏
‏**‏ في ضوء ما تقدم هل تري أن الأقباط يأخذون حقهم في تولي تلك المناصب أم أن هناك تراجعا ملحوظا في ذلك كما يردد البعض في الأحاديث الهامسة؟
لا‏..‏ لا‏..‏ من يقول بتراجع تولي الأقباط للمناصب القيادية في مختلف الهيئات يجافي الحقيقة‏,‏ وإخواننا الأقباط كجزء من نسيج المجتمع وشركاء في العمل الوطني ممثلون في جميع الهيئات والمؤسسات السيادية والعامة فهم زملاء نعتز بهم في القضاء بمختلف درجاته‏,‏ وفي المجالس التشريعية‏,‏ وفي الجامعة وفي المناصب الوزارية‏.‏
وهذه المشاركة في المناصب يقرها الدستور ويحفظها القانون‏,‏ ويطبقها الواقع‏,‏ كحق من حقوق المواطنة والمساواة‏.‏
‏**‏ إذن كيف تفسر توجهات من يدقون جرس التفرقة مستندين إلي بعض الحالات الفردية التي تعبر عن ظلم وقع أو حال دون الحصول علي حق مشروع؟
فليحذر من يدقون جرس التفرقة من هذا الأمر من خلال تحويل الحالات الفردية إلي مواقف عامة فأي موضوع يتعلق بالغبن في تولي منصب مستحق لشخص ما‏,‏ يجب أن يبحث في إطاره كحالة فردية‏,‏ ويعالج من خلال الجماعة الوطنية المسئولة عن هذه الهيئة سواء كانت تضم مسلمين أو أقباطا لأن هذه هي مسئوليتهم‏,‏ وأتصور أن ما قد يحدث لشخص قبطي يتعرض لظلم في عمله يماثله مئات الأشخاص من المسلمين والحل في كل هذه الحالات الفردية هو تحقيق حق المساواة والعدالة في تولي الكفاءات من خلال تقييم عملي وموضوعي يخدم الصالح العام دون أخذها بحساسية وتحويلها إلي موقف عام وهذا غير حقيقي وغير مبرر‏.‏
‏**‏ تطالب النخبة المسيحية بإحداث توازنات متعمدة في التمثيل الانتخابي للمجالس التشريعية كيف تري قانونية ذلك؟
التمثيل حسب التعداد السكاني الديني مرفوض‏,‏ ولا يتفق والقانون وحق المساواة‏,‏ فالانتخاب يكون بموجب المواطنة وليس الدين فالأصل في هذه القضية وحسب التجربة المصرية هو تحقيق التكامل الخاص بالجماعة الوطنية‏,‏ فالأقباط قد ينتخبون مسلما يحقق أمالهم‏,‏ والمسلمون قد ينحازون لقبطي لأسباب موضوعية لا يرونها في مسلم‏.‏ حدث هذا في التاريخ القريب والمعاصر دون تدخل متعمد سواء عن طريق القائمة أو الانتخاب الفردي‏.‏
كل هذا يؤكد القاعدة القانونية وهي أن الانتخاب يكون بموجب المواطنة وليس الدين‏,‏ وهذا لصالح الوطن والمواطنين‏.‏
‏**‏ حق العبادة مكفول بنص الدستور في هذا الإطار هل تتفق مع مطالبة أحد القيادات القبطية بالتوسع في بناء الكنائس؟
بناء الكنائس والمساجد أيضا لها ضوابط قانونية وإدارية تحكمها ولا مانع من دراسة كل حالة علي حده حسب الاحتياج لدور العبادة والكثافة السكانية‏,‏ وفي حدود علمي أن الضوابط علي بناء المساجد من وزارة الأوقاف أكثر تشددا منها في بناء الكنائس من حيث مواعيد فتحها وغلقها‏,‏ فالكنائس مفتوحة دائما‏.‏
وبالنسبة لتحديد الكثافة السكانية والإحصائيات للأقباط فهي متوافرة في الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء ولا توجد معوقات أمام الاطلاع عليها‏,‏ وفي ضوئها تلبي احتياجات الأخوة الأقباط حسب احتياجاتهم الفعلية لدور العبادة‏.‏
‏**‏ كيف ترد علي من يتصورون أن هذه الإرهاصات تنذر بما هو أبعد من ذلك مهددة نسيج المجتمع بالفرقة؟
هذا ليس صحيحا فمصر ليست كالسودان علي سبيل المثال فمصر فريدة في جماعاتها الدينية والقبلية‏,‏ فهي ممتزجة ومتداخلة في جماعاتها بحيث إن أحدا منها أو جماعة إذا رمي بسهمه أصابه نفس السهم مرة أخري‏.‏
ومصر كدولة تختلف عن السودان كدولة‏,‏ فالسودان كدولة أصغر من حجم السودان نفسه لذلك فهي غير قادرة عليه لسعة انتشار وترامي أطرافه وقلة كثافته السكانية أما مصر كدولة‏,‏ فهي أكبر من جماعتها السياسية رغم أن جماعتها سبعون مليونا من البشر‏,‏ وذلك لتمركز سكانها وانتشار الدولة في كل ربوع مصر‏.‏
ومصر وإن أصابها تراجع وجمود مؤقت فهما طارئان إلي زوال إن شاء الله وتبقي القوة والحجم والخبرة والتجارب الجاهزة لاستعادة دورها كاملا‏.‏
فتلك الأزمات مهما بالغ البعض في تصويرها لن تنال مصر الوطن ولا مصر المواطنة‏.‏
‏**‏ هذا يأتي في إطار الرد الدبلوماسي وهو غير معهود في أحكام القضاة فهل تتفق مع ما يقولون إن ما حدث هو استغلال فردي لوهن اللحظة والتغيرات الدولية التي تعيشها المنطقة؟
قد يكون ذلك صحيحا ففي أوضاع ما‏,‏ وظروف راهنة‏,‏ بناء علي ضغوط واعتبارات خارجية قد يكون من غير المقبول تحقيق مكاسب وقتية لا تحتملها التوازنات الاجتماعية والثقافية‏,‏ وقد يؤدي هذا إلي الإخلال بتلك التوازنات وكما قلت فإن الوحدة الوطنية إلزام وطني للأقباط والمسلمين بلامن أو تعال بمعني آخر أقول‏:‏ إن هذه المكاسب إذا كانت تستند إلي ضغوط خارجية فسوف تكون قصيرة العمر وليست في صالح الأقباط علي المدي البعيد فالضمانة الحقيقية للعلاقات الداخلية بين المصريين بعضهم البعض وبينهم وبين الدولة هي تماسك الجماعة الوطنية واللجوء إليها في الأزمات وتلك هي التوازنات الصحيحة التي يقوم عليها وطن في حجم مصر‏*‏

01:44 - 2006/9/6 - التعليقات {0} - للتعليق


حوار على جريدة العربى 7/5/2005

بقلم Unspecified

المستشار طارق البشري مؤكدا خطورة التمويل الأجنبي‏:‏

الإشراف القضائي هو الضمان لنزاهة الديمقراطية

أجري الحديث‏-‏ أحمد السيوفي


تمر مصر الآن بحالة من التجاذبات والانعطافات علي كل الدوائر الدولية والإقليمية والمحلية‏,‏ وتشهد الساحة المصرية عددا من الفعاليات والتظاهرات والمطالب المتعددة بعملية إصلاح سياسي في إطار عملية تحول ديمقراطي يشهدها المجتمع المصري الآن بعد أن طالب الرئيس مبارك بتعديل المادة‏76‏ من الدستور وأعقبها محاولات أخري للإصلاح القانوني والسياسي والحوار مع الخارج‏,‏ حملناها كلها إلي أحد كبار رجال القانون‏,‏ بل أحد كبار المفكرين المصريين‏,‏ المستشار طارق البشري ومعه رصدنا كل ما يموج به المجتمع المصري في هذا الحوار‏.
**‏ الرئيس مبارك طالب بتغيير المادة‏76‏ من الدستور‏,‏ وهناك تفاعلات دولية وإقليمية ومحلية حول الإصلاح السياسي ما قراءتكم لهذا المشهد؟
الأمر في مصر فيما يتعلق بالحريات لا يرتبط بالمناخ الدولي ومتطلباته فما نراه ونعايشه في السنوات الأخيرة هو مناخ فرض السيطرة الأمريكية علي المنطقة العربية مع غزو العراق والدعم غير العادي للصهاينة ومحاولة تصفية المقاومة في فلسطين‏,‏ هذه هي أبرز ملامح المشهد الدولي يضاف إلي ما سبق‏,‏ أن الولايات المتحدة الأمريكية عندما ترفع شعار الديمقراطية الآن فهي لا تريد به في بلادنا إلا أحد ثلاثة تبتغيها منفردة أو مجتمعة أحدها استبدال أطقم الحكم القائمة في بلادنا بأطقم أخري جديدة مناسبة لهم‏.‏
والآخر هو أن تغطي الوجه القبيح للعدوان والاستعمار وفرض الهيمنة مع الشعوب بأصباغ ديمقراطية لتجمل بها نظما هي التي دعمتها علي مدي السنين الطويلة‏,‏ من كل ما سبق يمكن أن نؤكد أن الوضع الخارجي ليس هو الوضع الذي يرتكن إليه في تحقيق السياسات التي تنشدها الشعوب لتحقيق صالحها الوطني‏.‏
‏**‏ أين كان الموقف الشعبي في سياق هذا المشهد؟
الموقف الشعبي الحقيقي في هذا الشأن هو أن للشعب مطالب ديمقراطية تتعلق بضمانات تنظيم الأحزاب وممارسة التحركات الشعبية في إطار المشروعية السياسية التي تعبر عن المصالح الوطنية للقوي السياسية الأهلية المختلفة في المجتمع وفئاته المختلفة‏.‏
‏**‏ ولكن الموقف الشعبي أصابه الارتباك من ديمقراطية صورية يريد الأمريكيون تسويقها أو ديمقراطية وطنية عرجاء كيف الخروج من المأزق؟
التحركات الشعبية يجب أن تخرجة من إطار الدعاوي الصورية الديمقراطية التي يطرحها الأمريكيون أو الدعاوي الصورية التي يطرحها عدد من ذوي الحكم والنفوذ في بلادنا ينبغي الخروج من أسر الطرفين في الإطار الوطني الاستقلالي فتميز نفسها لأن الديمقراطية الحقيقية لا تكون إلا في إطار الصالح الوطني العام ولا وطنية إلا بإفساح حقيقي لديمقراطية شعبية تتجاوز أطر النظم الفردية‏.‏
**‏ أمريكا تحاول إثبات أن الاحتلال قد جلب للعراق ديمقراطية يمكن تسويقها للمنطقة‏,‏ وهناك من وقع في هذا الالتباس‏..‏ فما رأيكم؟
ما حدث في العراق في ظني أنه لا ينسب إلي الديمقراطية بأي من معانيها الحقيقية‏,‏ لأن أهم حدث متعلق بالشأن العراقي هو الاحتلال الأمريكي للعراق الذي قهر الشعب والوطن‏,‏ وهذا لا يمكن أن ينسب إلي الديمقراطية بمعانيها وما تصنعه أمريكا من انتخابات وتسميه ديمقراطية‏,‏ إنما هو نوع من أنواع العمل علي تفكيك الوطن العراقي وتقسيمه بين شيعة وسنة وأكراد وغيره‏,‏ وليس لنظام حكم ديمقراطي متماسك ومستقل‏,‏ ويستحيل القول بتحقق نظام ديمقراطي في ظل احتلال عسكري يحاول حماية الذين أتت بهم الانتخابات والذين لن يتعرضوا لموضوع الاحتلال والعدوان الحاصل هناك‏.‏
‏**‏ مصر تشهد العديد من التظاهرات البعض يري أنها تعبر عن مطالب وطنية وآخرون يرون أنها صدي للخارج‏..‏ ما رأيكم؟
قد يكون هناك بعض المدفوعين من الخارج‏,‏ ولكن الحركات الشعبية الصادرة عن تنظيمات ورموز وأشخاص عايشناهم وعرفنا تاريخهم ومواقفهم ويصدرون عن الصالح الوطني العام بتنوع تياراته هؤلاء لا يمكن أن ينسب إلي حركتهم أنها مدفوعة من الخارج‏,‏ ونحن جميعا نعرف هؤلاء‏,‏ كما أننا نعرف مشاكلنا‏,‏ مشاكل الاقتصاد الخانقة ومشاكل الأمن القومي المهدد من إسرائيل‏,‏ ومن الضغوط الأمريكية‏,‏ ومشاكل التباين الشديد في الثروات وغيرها وأمثلة الفساد التي تنشرها الصحف كل يوم ومنها الصحف القومية‏,‏ وكذلك التضييق علي الحريات ووجود حالة الطوارئ كل ذلك يكون حركات شعبية حقيقية تبغي إصلاحا حقيقيا للأوضاع‏.‏
‏**‏ هناك عدد من المنظمات والجمعيات العاملة في مجال حقوق الإنسان والحريات تتلقي دعما من الخارج هل هذا يخدم قضية الحريات؟
يجب أن نتفاهم ونتراضي علي أن أي تمويل خارجي لجمعيات أو لأحزاب أو لمجموعات من الناس يعملون في الشأن السياسي والثقافي هو مرفوض تماما ويتعين كشف هذه الحالات وإظهارها أمام الناس ليظهر للناس المدفوعين من الخارج‏,‏ ويصدق هذا علي الجميع بما في ذلك الجمعيات القائمة المعبرة عن السياسات الرسمية وغيرها‏.‏
**‏ أقدمت الحكومة علي تغيير العديد من القوانين مثل قانون مباشرة الحقوق السياسية وقانون الأحزاب وغيرها‏..‏ ما رأيكم في تلك التعديلات التي يجري إدخالها إلي دائرة التنفيذ؟
بالنظر إلي هذه التعديلات طبقا لما هو منشور بالصحف‏,‏ فبرغم أنها خطوات جديدة‏,‏ لكنها مازالت لا تحقق الطموح الشعبي أ والحد الأدني لحرية تكوين الأحزاب‏,‏ ورفع الوصاية الحكومية عن هذا التكوين‏,‏ فما حدث لم يقلل بعد من سيطرة لجنة الأحزاب علي التكوينات الحزبية‏,‏ أما قانون مباشرة الحقوق السياسية فهناك بعض الإجراءات مثل تنقية كشوف الناخبين من الأسماء غير الحقيقية‏,‏ وعدم تكرار استخدام الناخب لصوته في اللجان المختلفة‏,‏ لكن الأمر لا يقف عند هذه الأمور‏,‏ لأن مشكلة الانتخابات عندنا ومصداقيتها لا تتعلق فقط ببعض نصوص يمكن إدخالها أو حذفها‏,‏ وإنما بوجود مناخ صحي فلا تقوم هيئات الدولة بالضغط علي الناخبين لانتخاب مرشحين بعينهم أو لاستبعاد آخرين‏,‏ فيجب أن تكون هناك مصداقية واسعة‏,‏ فالأمر لا يتعلق بنصوص القانون فقط‏,‏ وإنما الممارسات الفعلية ووقوف أجهزة الإدارة علي الحياد في العملية الانتخابية‏.‏
‏**‏ تشهد منطقتنا حالة من التجاذبات والانعطافات في ظل وضع دولي وتربص دولي‏,‏ فإلي أين تتجه بلادنا؟
تتجه إلي الخير إن شاء الله‏,‏ فكما أن هناك عدوانا أمريكيا وصهيونيا علي بلادنا وشعوبنا يأخذ شكل احتلال مباشر أو بقواعد وتسهيلات عسكرية أو حصار اقتصادي أو هيمنة علي الإرادة السياسية‏,‏ فرغم كل ذلك فإن هناك صحوة شعبية للمقاومة تتخذ الوسائل السلمية المشروعة أو تتخذ شكل المقاومة العسكرية في البلدان المحتلة‏,‏ وأنا يبدو لي أن أؤرخ لهذه المرحلة التي نعيشها ببدء الانتفاضة عام‏2000‏ باعتبارها مرحلة الصحوة الشعبية ليس في فلسطين وحدها‏,‏ وذلك لمقاومة جميع أشكال الاحتلال والنفوذ الأجنبي‏.‏
‏**‏ ما مخاطر الديمقراطية المنقوصة وهل ديمقراطية صحيحة يمكن أن تقودنا إلي أن نتعافي ونخرج من أزمتنا؟
عندما تكون الديمقراطية منقوصة يتعين علينا ألا نفكر في السقف الذي ينبغي أن نقف عنده‏,‏ إنما يتعين ممارستها الآن بكل أشكالها في الإطار الوطني المشمول بالصالح الوطني العام البعيد عن أي روابط خارجية متي كفلنا لها هذا الإطار الوطني‏,‏ والديمقراطية متي انبعثت في إطارها الوطني هي الحلقة الأساسية التي ترتبط بها ويتصل بها كل المعالجات الخاصة بالشأن الوطني والشأن العام من حيث حماية الأمن الوطني ضد أخطار الخارج‏,‏ ومن حيث القضاء علي الفساد والتعبير عن التوجهات الشعبية المتنوعة مثل التنمية الاقتصادية والاجتماعية وكفالة القدر الممكن من العدالة الاجتماعية‏.‏
‏**‏ بوصفك أحد رجال القضاء كيف تنظر لمطالب القضاة وأين موقعها علي الخريطة الوطنية وعلي أجندة الإصلاح السياسي؟
التحرك الذي يقوم به القضاة حاليا يتصل به مطلب استقلال القضاء في صميم عملية الإصلاح الديمقراطي‏,‏ والمحكمة الدستورية قضت في‏22‏ يوليو سنة‏2000‏ بوجوب أن يكون الإشراف القضائي شاملا جميع إجراءات الانتخاب وجميع لجانه الأصلية والفرعية‏,‏ وأن ممارسة هذه الوظيفة من جانب القضاة يقتضي أن يكون للهيئة القضائية الفعل الإداري الكامل لمجمل العملية الانتخابية وإجراءاتها‏,‏ وبغير هذا الأمر لا يكون الإشراف القضائي إشرافا حقيقيا‏,‏ وهذا ما يطالب به القضاة‏,‏ وهذا يدخل في صميم العملية الديمقراطية‏,‏ والمطلب الآخر للقضاة يتصل بما يقترحونه من تعديلات في قانون السلطة القضائية‏,‏ وهو مطلب قديم طالبوا به في مؤتمر العدالة‏1986,‏ وهو مطلب يتضمن تعديلات عديدة تصب في معني أساسي هو تخليص السلطة القضائية من وجوه المداخلة التي تبلغ أحيانا حد الهيمنة من جانب السلطة التنفيذية ممثلة في وزارة العدل‏.‏

01:29 - 2006/9/6 - التعليقات {0} - للتعليق


الصفحة الأخيرة الصفحة التالية
وصف المدونة
هو جمع لمقالات المستشار العلامة المفكر طارق البشرى النائب الاول لرئيس مجلس الدولة الاسبق .. فهو الأحق ان تكون له مدونة تجمع علمه وفكره عسى أن ينتفع بها المجتمع و الأمة و أسأل الله تعالى أن يكتب له أجر هذا العلم (وعلم ينتفع به ) وأن يكتب لى أجر نشره
الصفحة الأولى
بياناتي الشخصية
الأرشيف
الأصدقاء
المناخ التشريعى و القانونى للمجتمع المدنى
أرفعوا الوصاية عن أقبــاط مصر
كتب المستشار طارق البشرى بدار الشروق
حقوق غير المسلمين في المجتمع المسلم
المستشار طارق البشرى فى سطور
آخر المقالات
- طارق البشري : السلطة القضائية في مصر تواجه امتحانا عسيرا
- التعديلات الدستورية ومؤسسة الرئاسة ومجلس الوزراء
- حوار: الصحوة الإسلامية أضافت الكثير لحياتنا (من العلمانية الى الاسلامية)
- حوار عن الدستور والمرجعية الإسلامية
- منهج النظر في أسس البناء الديمقراطي
- نظرة من داخل الواقع المصري
- إن مواد الدستور الثلاثة الأولى حددت بوضوح الهوية الاسلامية للدولة
- حوار على موقع كفاية نقلا عن الوفد 3/9/2006
- حوار على جريدة العربى15/1/2005
- حوار على جريدة العربى 7/5/2005