|
بقلم
طارق البشري : السلطة القضائية في مصر تواجه امتحانا عسيرا
اعتبر المستشار طارق البشرى ان مطلب القضاة باستقلال السلطة القضائية عن الحكومة واشراف قضائي كامل على الانتخابات النيابية والرئاسية يعتبر أحد دلائل انسداد المنافذ أمام النظام الحاكم
 |
|
المستشار/ طارق البشري |
.
كما يحذر من افراغ العمل القضائي من محتواه مشيرا الى أن السلطة القضائية في مصر تواجه امتحانا عسيرا. ووصف هذا الامتحان بأنه فتنة حيث يواجه القضاة ما يشبه العقيدة السياسية التي تجعل الحكومة والبرلمان والحزب الحاكم "ثلاثة في واحد ، ثلاثة أشكال ومظاهر لسلطة واحدة ذات ادارة ومشيئة واحدة. هم ثلاثة في الشكل وواحد في الجوهر".
وقال ان القاضي يقبض على استقلاله كالقابض على الجمر وان القضاة قادرون على ذلك لكن القدرة شيء والتمكن شيء اخر لان التمكن مرتبط بعوامل خارج استطاعتهم فالقاضي في الانتخابات يواجه مؤسسات لا أفرادا "يواجه الحكومة وحزبها الذي يهدف الى التغلب برجاله".
وأضاف في كتابه (القضاء المصري بين الاستقلال والاحتواء) أن القاضي في مثل هذه المواجهة لابد أن يتحصن في الهيئة القضائية فليس باستطاعة فرد أن يواجه تكوينا مؤسسيا لا يواجه الا بتكوين مؤسسي اخر.
ويقع الكتاب في 96 صفحة كبيرة القطع ويصدر يوم الاربعاء في القاهرة عن (مكتبة الشروق الدولية(
وألقت الازمة بين السلطة المصرية والقضاة بظلالها على بعض وجوه العمل السياسي حيث ألقت قوات الامن القبض على عشرات النشطاء خلال الاسبوعين الماضيين وقال بعضهم انهم تعرضوا للضرب لتنظيمهم مظاهرات مؤيدة للقاضيين محمود مكي وهشام البسطاويسي حيث يساءلان أمام محكمة تأديبية تنظر في صلاحيتهما لولاية القضاء.
ويقول القاضيان ان محاكمتهما نوع من العقاب على مطالبتهما مع مئات القضاة باستقلال كامل للسلطة القضائية عن السلطة التنفيذية واشراف قضائي كامل على الانتخابات النيابية والرئاسية.
وقال البشري الذي كان نائبا أول لمجلس الدولة ان الاشراف القضائي على الانتخابات يقتضي أن يكون القائمون به أعضاء في الهيئات القضائية وهي المحاكم ومجلس الدولة فقط مستبعدا مشاركة أعضاء النيابة العامة حيث ينص قانون السلطة القضائية صراحة على تبعيتهم لوزير العدل.
وأوضح أن وزير العدل ليس من الهيئة القضائية فهو "يقينا من أفراد السلطة التنفيذية وهو غير مستقل لخضوعه لرئاسة الوزراء ولمجلس الوزراء وهو يشغل وظيفة سياسية مما يمتنع على القضاة الاشتغال بها مهما بقوا قضاة عاملين وهو لا يتمتع بضمانة من ضمانات الاستقلال في قراراته وليس من حصانة له من عدم العزل" حيث ينص الدستور على أن القضاة غير قابلين للعزل.
وربط بين الاصلاح القضائي والاصلاح الديمقراطي قائلا ان النظم السياسية حين تكون في ضائقة وتنسد عليها المنافذ تعمد الى اقتلاع أعمدة من البنية الاساسية للدولة وتضرب بها الاخرين كما حدث في عامي 1951 و1952 في نهاية حكم الملك فاروق وعامي 1968 و1969 "بعد انكسار ثورة يوليو وهو ما يحدث الان على مدى السنوات الاخيرة."
وقال ان العمل على افراغ العمل القضائي من محتواه هو مسلك سياسي ربما ينتفع به على المدى القصير ولكنه يهدم الكثير من نظام الحكم ذاته مشبها ذلك بتاجر يسيء استغلال الاسم التجاري بوضعه بضاعة فاسدة أو من يبيع أثاث بيته ليعيش في رغد فترة قصيرة ثم يجيء الطوفان على حد وصفه.
وأضاف أن السلطة التنفيذية في مصر تنشيء حزبا تخوض به الانتخابات التي تشرف عليها وتسيرها السلطة التنفيذية بأدواتها الامنية والاقتصادية والاعلامية ومن هنا تنشأ المؤسستان التشريعيتان وهما مجلسا الشعب والشورى "عن طريق حزب الحكومة بما يضمن سيطرتها عليهما."
ونشأ المؤلف في بيت قضاء فهو ابن المستشار عبد الفتاح البشري الذي شغل منصب رئيس محكمة الاستئناف في الاربعينيات.
ويعد البشري من بين أبرز المؤرخين المصريين ومن دراساته (المسلمون والاقباط في اطار الجماعة الوطنية) و(الديمقراطية ونظام 23 يوليو) و(الحركة السياسية في مصر.. 1945 – 1952(
وقال البشري ان المحكمة الدستورية حكمت بعدم شرعية المجالس النيابية في مصر لاربعة انتخابات في أعوام 1984 و1987 و1990 و1995 وترتب على ذلك بطلان تشكيل المجالس النيابية على مدى 16 عاما متصلة بين عامي 1984 و2000 كانت مصر خلالها "خارج اطار الشرعية الدستورية".
 |
|
احد مظاهرات دعم استقلال القضاة |
وشدد على أن مطالب القضاة التي ثارت في الاونة الاخيرة ليست مطالب خاصة بهم ولكنها مطالب مؤسسية تتعلق برسالة القضاء في مصر مشيرا الى أهمية دور نادي القضاة في حراسة أداء الرسالة القضائية فهو ليس مجرد نقابة أو ناد اجتماعي لكنه التشكيل المؤسسي الوحيد الذي يجمع القضاة ويحرس أداءهم ومهنتهم السامية كما يدافع عن موجبات استقلال القضاة بوصفهم سلطة دستورية.
وقال ان السلطة التنفيذية ممثلة في وزارة العدل منذ الاربعينيات تسعى للاحاطة بالهيئات القضائية والهيمنة عليها وكان نادي القضاة هو المؤسسة التي تمثل قطبا يجذب أعضاءه استقلالا عن وزارة العدل والوزير الذي يشغل منصبا سياسيا حزبيا ويمثل السلطة التنفيذية.
وأضاف أن كبار رجال وزارة العدل هم من كبار رجال القضاء ندبا من المحاكم مشيرا الى أن الوضع الوظيفي المؤسسي يتغلب في النهاية على الاوضاع الذاتية لشاغلي الوظائف المؤسسية. وأبدى دهشته من قيام وزارة العدل الان بادارة القضاء "ننتدب من كبار رجال القضاء من يديرون القضاء من خارج القضاء" مفضلا أن يدار القضاء من داخله بعيدا عن أي تبعية بين سلطتين تقف احداهما وهي القضائية رقيبا للمشروعية على الاخرى التنفيذية.
وأضاف أن قرارات نادي القضاة العام الماضي بوجوب الاشراف الكامل والحقيقي على الانتخابات لا يعتبر اشتغالا بالسياسة "واذا اعتبرت هذه المطالب اشتغالا بالسياسة فلابد من اعتبار عملية الاشراف على الانتخابات التي أوجبتها عليهم المادة 88 من الدستور اشتغالا بالسياسة لان هذا الاشراف هو أصل المطالبة".
ويقود رئيس نادي القضاة المستشار زكريا عبد العزيز وأعضاء مجلس ادارته حملة المطالبة باستقلال القضاء ونزاهة الانتخابات.
وجرت العادة في مصر على تعيين بعض القضاة كمحافظين.
ويرى البشري صونا لاستقلال القضاء ألا يعين قاض بوظيفة أخرى الا بعد تركه القضاء بثلاث سنوات وألا يتقرر لقاض معاش استثنائي عند تركه القضاء الا بعد عرض الامر على جهات القضاء لوضع الضوابط المناسبة.
ويضيف أن نظم الحكم عندما تكون قوية وتستند الى شرعية فانها تتعامل بثقة وشجاعة لكنها حين تفقد القوة "تكون على درجة عظيمة من الاحتياج لان تستر سياساتها وممارساتها وأفعالها" ، وأشار الى أن تمسك القضاة باستقلالهم هو رفض لاستغلال ظاهر حيادهم الوظيفي لتحقيق أهداف منحازة للقابضين على نظام الحكم
امل الامة عن رويترز
11:45 - 2007/5/24 -
|