عالم المستشار العلامة طارق البشرى

التعديلات الدستورية ومؤسسة الرئاسة ومجلس الوزراء

بقلم
التعديلات الدستورية ومؤسسة الرئاسة ومجلس الوزراء
 
 المستشار طارق البشري
المستشار البشري 
 
ونحن في ختام هذه الحالة التي بدَت لي حالةً عبثيةً، وهي المتعلقة بتعديل الدستور، قد يكون من المناسب الإشارة إلى بعض الأمور التي لم تحظَ من المتحاورين باهتمام يُذكر.
 
إما أن الموضوع- تعديل الدستور- كان حالةً عبثيةً، فذلك في ظني يرجع إلى ما سبق أن أشرت إليه في كتابات سابقة ومنذ أوائل سنة 2004م، من أن المطلوب لمصر بإلحاحٍ هو الإصلاح السياسي وأنه لا إصلاح دستوريًّا يفيد الأمة قبل أن نسير خطوات واسعة في الإصلاح السياسي، وأن الإصلاح السياسي متوقفٌ على إنهاء حالة الطوارئ دون بديل لها من قانون استثنائي يسمى بقانون الإرهاب وعلى إتاحة حرية التنظيم الحزبي والجماعي السلمي دون أي عوائق وعلى رفع يد الوصاية الإدارية الحكومية عن هيئات المجتمع الأهلي وأن كل ذلك خليق في مدى محدود من السنين أن تتبلور بها القوى السياسية والاجتماعية والثقافية، بما يسمح بتبين أوزانها النسبية بين بعضها من خلال مواقف كل منها ومطالبه وأهدافه ومدى ما يعبر عنه عن مصالح وطنية وجماعية، ثم بعد ذلك يمكن إعداد الدستور الذي تصنعه هذه القوى لو تشارك في صنعه بقدر ما يكون لها من وزن سياسي حقيقي في الأمة، وبقدر ما تختص من أهداف وطنية وشعبية ومصالح اجتماعية واقتصادية.
 
كما أن الأمر يحتاج إلى ترميم أجهزة إدارة الدولة في كل جوانب عملها العام، لأداء ما يُناط بها من وظائف فنية في تسيير المرافق وإدارة الخدمات وإنعاش الأداء المهني، سواء في مجالات الإنتاج أو التعليم أو الخدمات أو الأمن القومي أو القضاء؛ وذلك لإعادة تركيب ما انفكَّ من أواصل هذه الأجهزة من سوء الإدارة والفساد والغواية وفقدان الهدف العام وتضييع المسئوليات العامة؛ وذلك على السنوات الثلاثين الأخيرة.
 
وإن ما سبق من التعديلات الدستورية للإصلاحات السياسية أشعرني بأن الأمر لا يعدو أن يكون إجهاضًا للإصلاح السياسي، وسبقًا للأحداث بإصلاح دستوري تتمكن السلطة القائمة في أزمتها من التجميل به ليجري في إطار مصلحتها هي؛ لترمم به ما انشرخ وانصدع من قوائمها المتهاوية وتعالج به علل نظامٍ سياسي، وإن لم يعد يستطيع حِراكًا ولكنه لا يزال قائمًا، لعدم نضوج مَن يحل محله.
 
ووقعت المعارضة في هذا الفخ، ولم تكتفِ فصائل عديدة منها من أن تتجاوب مع مطلب إصلاح دستوري ليست هي مستعدة بقوتها الموجودة على فرض أي تعديلٍ فيه لصالحها بل إن بعض فصائلها استجاب بحماسٍ مثير لهذه الدعوة، وشارك فيها بما لا يعدو أن يكون قيامًا بأدوار ثانوية في مسرحية مدونة النهاية سلفًا.
 
ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
لقد استغرقت هذه "الحالة الدستورية" نحو ثلاث سنوات في زرعها منذ أوائل 2004م، ثم استغرقت نحو سنة ونصف السنة في إثارتها وإلهاء الناس بها بما يفيدهم، وتركت الحكومة حبل الكلام والنقاش على غاربه، فقال الناس ما يريدون وفعلت هي ما تريد.
 
هذه "الحالة الدستورية" توشك الآن على نهايتها الإثنين المقبل المحدد للاستفتاء الذي ستجيء نتيجته بإقرار التعديلات التي أعدتها الحكومة بنسبة تأييدٍ شعبي مُقدَّرة سلفًا من جانب معدي حملة الاستفتاء ومنفذيه، ويكون النظام السياسي قد حقق أهدافه الثلاثة التي كانت متوقعةً سلفًا من سعيه لتعديل الدستور. حتى قبل أن يعلن رسميًّا عن مشروع التعديل في ديسمبر سنة 2006م، وقد سبق أن أبديت رأيي هذا في شهر مايو 2006م، قبل أن تصدر التعديلات المذكورة هذه الأهداف الثلاثة هي:
 
توجيه أحكام الدستور الخاصة بالحريات لتقبل إصدار قانون باسم مكافحة الإرهاب يحل محل حالة الطوارئ ويمكن للنظام السياسي كل إمكانات الطوارئ عندما تكفله له المواد 41، 44، 45 فقرة 2 من حرمات، وعصم وحقوق آدمية، وكذلك تقويض نظام الإشراف القضائي الكامل على العملية الانتخابية مما كفلته المادة 88 من الدستور حسبما حكم المحكمة الدستورية الصادر في يوليو سنة 2000م، وكذلك ضمان حصر غالبية أعضاء مجلسي الشعب والشورى في الأحزاب المعترف بها رسميًّا من الحكومة دون المواطنين غير الحزبيين أو من ينتمون إلى تيارات سياسية لم تعترف بها الحكومة.
 
(2)
على أي حالٍ فإن ما أود أن أضيفه في هذا الحديث، هو الإشارة إلى جانبٍ أظن أنه لم يحظَ باهتمامٍ كبيرٍ من جمهرة مَن اهتموا بتعديلات الدستور، وكتبوا عنها وكشفوا ما انطوت عليه، وهذا الجانب يتعلق بالتوزيع الداخلي للسلطة بين رئيس الجمهورية والتابعين له من رجاله هو جانب لا يمس سلطة رئاسة الدولة ورجالها تجاه الشعب، وهي السلطة التي تزداد جبروتًا وسيطرةً وضمانًا بالتعديلات المزمع طرحها للاستفتاء، ولكنه يتعلق بطريقة إدارة أجهزة المحكمة والدولة بين الرئيس ورجاله، ويبدو أن رجال الرئيس والقريبين منه والمحيطين به وتلك الحلقة الضيقة التي تملك باسمه زمام الأمور الآن، وتقرر السياسات تحت جناحه يبدو أن هؤلاء الرجال صاروا يطمحون إلى حصةٍ في الحكم تكون ذات وضع رسمي، وتجعلهم مشاركين أصلاً للرئيس في سلطته وليسوا تابعين له يعملون من خلاله فقط.
 
والحال أن أحكام دستور 1971م، في المادة 139 نص على أن "لرئيس الجمهورية أن يُعين نائبًا له أو أكثر ويحدد اختصاصاتهم ويعفيهم من مناصبهم"، وهذا الحكم يتفق مع سوابق النظام الجمهورية كله في مصر منذ دستور 1956م، وتعيين نائب الرئيس (جوازي) لرئيس الجمهورية، وإعفائه من منصبه سلطة مطلقة لرئيس الجمهورية وتحديد اختصاصاته مشيئة غير محدودة لرئيس الجمهورية، فهو مشمول بالتبعية الكاملة للرئيس، والرئيس عبد الناصر عيَّن نوابًا له أحيانًا وعيَّن نائبًا وحيدًا أحيانًا أخرى، والرئيس السادات عيَّن نائبًا له، وحدث في الحالين أن نائب الرئيس عند وفاته هو مَن صار رئيسًا فصار منصب نائب الرئيس أشبه بولايةِ العهد بتعيين الرئيس مَن يخلفه، وصارت خطورة منصب النائب لا تتعلق بسلطاته فهو تابع، ولكنها تتعلق باحتمالاتِ المستقبل بحسبانها وعدًا بالرئاسة بعد انقضاءِ مَن عيَّنه.
 
ومن جهةٍ أخرى، فإن الرئيس حسني مبارك منذ توليه رئاسة الجمهورية، كان لديه خط ثابت ألا يُعين نائبًا للرئيس، وبلغ من الحسم في هذا الأمر ما بلغه من إصرارٍ عليه وما بلغه من الاستمرار فيه مدة خمس وعشرين سنة حتى الآن، ويمكن تصور إن لم يكن مأذونًا لأحد أن يفاتحه في هذا الأمر ولا أن يكون صحفيًّا أجنبيًّا أو مَن لا نعرف أنَّ في مباحثاته ثنائية خاصة.
 
وكان ذلك فيما ظهر يتعلق بدواعي اطمئنانه الذاتي وبموجبات حصانته الشخصية، الأمر الذي بدا ذاتيًّا بحتًا، ويصعب توجيه النظر فيه إلى احتمالات مستقبلية لا يليق إثارتها.
 
وفيما يبدو لقد انتهز المحيطون به في الفترة الأخيرة ظرف النظر في مبدأ تعديل الدستور لتنشيط ما شاخ من جسم الدولة المشخصنة وترميم ما انصدع من هياكلها، انتهزوا هذه الفرصة لفتح طريقٍ خلفي تسير فيه عملية ولاية العهد فكانت التعديلات التي سأشير إليها حالاً.
 
(3)
إن المواد 82، 84، 85 من الدستور تنصُّ أولاً على أنه "إذا قام مانع مؤقت يحول دون مباشرة رئيس الجمهورية لاختصاصاته أناب عنه نائب رئيس الجمهورية"، وتنص ثانيتهما على أنه "في حال خلو منصب الرئيس أو عجزه الدائم يتولى الرئاسة مؤقتًا رئيس مجلس الشعب فإن لم يوجد لحل المجلس تولاها رئيس المحكمة الدستورية العليا"، وتنص المادة 85 على أنه "إذا وُجهت تهمة الخيانة لرئيس الجمهورية تولى الرئاسة مؤقتًا نائب الرئيس"، قد بقيت هذه النصوص الدستورية غير قابلة للأعمال لعدم وجود نائب رئيس طوال الخمس وعشرين سنة الماضية، والأيام مضت والسنون توالت وما كان بعيدًا صار قريبًا بحكم طبائع الأمور.
 
لذلك ورد باقتراحات التعديل، ما يشير إلى حلٍّ لهذه المسألة يأتي من بابٍ خلفي بمراعاة عدم ملاءمة إثارة موضوع تعيين نائب الرئيس، فجاء في اقتراحاتِ التعديل "ما يسمح بحلول رئيس مجلس الوزراء عند تعذر حلول نائب رئيس الدولة.."، دون أن يباشر حل مجلس الشعب أو إقالة الحكومة أو طلب تعديل الدستور، وهكذا يصير رئيس الوزراء هو "ولي العهد" بهذا التعديل بدلاً من تسمية أحد في المنصب البغيض، منصب نائب رئيس الجمهورية هذه واحدة، وبهذا يكون أصحاب التعديل قد سعوا لحفظ مصالحهم المرتبطة بموقعهم في السلطة وباستمرارها من بعده، أما الوطن ومصلحته فله رب يحميه مما حل به في العقود الأخيرة ومما لا يزال يحل به للآن.
 
يصاحب هذه المكانة التي يرتقي إليها منصب رئيس الوزراء وتكون له سلطات نائب رئيس الجمهورية وولي عهده يصاحب ذلك سلطات فعلية يمنحها هذا التعديل الدستوري الأخير لرئيس الوزراء خصمًا من سلطة رئيس الجمهورية أثناء وجوده وشغله لمنصبه وممارسته لسلطاته الدستورية، وهذا في ظني من أخطر ما ورد بالتعديل الأخير، وهو غير مسبوق بمصر منذ قيام النظام الجمهوري فيها ومنذ 23 يوليو سنة 1952م، وقد كاد يكون هذا طريقًا لتعديل موازين السلطة والتعددية داخلها لولا أنه مصاحب بدعم السلطة التنفيذية ضد أي إمكانية لإجراء انتخابات نزيهة تُمكِّن من تداول السلطة في مصر بين تيارات وأحزاب سياسية شعبية.
 
إن النظام الحاضر بعد تعديل الدستور، سيكون أشد جبروتًا في مواجهة أي تشكيلاتٍ شعبية وسيكون أعظم استبدادًا بالحكم، وانفرادًا به وأكثر منعةً في مواجهة تحديات المعارضة، وذلك بإقصائه الإشراف القضائي الكامل عن العملية الانتخابية، وبحرمانه المواطنين من حق الترشيح للمجالس النيابية إلا عن طريق انتمائهم لأحزاب (إما أن تكون الحكومة قد وافقت على قيامها أو أنها تملك عليها إمكانات فعلية لتفجيرها من داخلها والقضاء عليها كما حدث في العديد من الأحزاب العامة مما هو معروف ومشتهر ولا مجال لشرحه الآن)، وكذلك بإلغائه الحقوق والضمانات الدستورية التي كان الدستور قبل التعديل يكفلها للمواطنين ضد القبض والاعتقال والتفتيش وتقييد الحرية ودخول المساكن والرقابة على المراسلات والاتصالات.
 
ولذلك فإن مشاركة رئيس الوزراء لرئيس الجمهورية في السلطة في الهيكل الدستوري الذي يرسمه هذا التعديل لا تفيد انفتاحًا للنظام السياسي على نوعٍ من التعددية ولا تفيد أنها طريق لانفتاحٍ ديمقراطي على التيارات الشعبية، إنما هو إعادة توزيع لمجالات اتخاذ القرار السياسي في الدولة خصمًا من سلطة رئيس الجمهورية وخصمًا من سلطة مؤسسة الرئاسة في مصر، وذلك لصالح جماعةٍ أخرى أمكنها في الفترة الأخيرة وبالتعديل الدستوري الذي قدمته أو شاركت فيه أن تقتنص هذه المكانة الدستورية الجديدة وللساسة ولمحللي الأحداث أن يتفكروا في دلالة هذه المسألة وأثرها في مسار أحداث المستقبل إذا كانت خطوات تتخذ لتتلوها خطوات أخرى نحو نوعٍ من انتقال السلطة في مصر أو المشاركة فيها.
 
(4)
أما الطريقة التي جرى بها هذا التعديل، فنلحظها في أن الرئيس عندما تقدَّم باقتراحاتِ التعديلات، أشار في البند الحادي عشر من التعديلات المقترحة إلى أن المادة 138 من الدستور الحالي تنص على أن "يضع رئيس الجمهورية بالاشتراك مع مجلس الوزراء السياسة العامة للدولة ويشرفان على تنفيذها"، وتنص المادة 141 على أن "رئيس الجمهورية هو من يُعين رئيس الوزراء ونوابه والوزراء ونوابهم ويعفيهم من مناصبهم"، ومن ثم فالمشاركة في رسم السياسات وتنفيذها رُسمت بالدستور بغير ضوابط تفصل بين الرئيس ومجلس الوزراء وأنه هو من يُعين بغير قيدٍ من إدارةٍ أخرى.
 
وطلب الرئيس في التعديل الدستوري أن يشمل تعديلاً لكافة اختصاصات رئيس الجمهورية الواردة في المواد 108، 144، 145، 146، 147، 148، 151، الفقرة الثانية لتكون ممارسته لهذه الاختصاصات مقرونة بموافقة مجلس الوزراء في بعضها وباستشارة مجلس الوزراء في بعضها الآخر، كما أورد التعديل وجوب أن يشارك رئيس الوزراء رئيس الجمهورية في تعيين نواب رئيس الوزراء والوزراء ونوابهم.
 
وقد تضمن الذي صاغه مجلس الشعب تعديلاً لنص المادتين 138، 141 من الدستور، فأفاض التعديل للمادة 138 فقرة ثانية هي "ويمارس رئيس الجمهورية الاختصاصات المنصوص عليها في المواد 144، 145، 146، 147 بعد موافقة مجلس الوزراء، والاختصاصات المنصوص عليها في المواد 108، 148، 151 فقرة ثانية بعد أخذ رأيه"، كما عدل المادة 141 بأن رئيس الجمهورية يعين رئيس الوزراء ثم يكون تعيين نواب رئيس الوزراء والوزراء ونوابهم وإعفاؤهم من مناصبهم "بقرارٍ من رئيس الجمهورية بعد أخذ رأي رئيس مجلس الوزراء".
 
وجدير بالملاحظة أن السلطات التي ينيطها الدستور لرئيس الجمهورية بالمواد 144، 145، 146، 147 هي إصدار اللوائح التنفيذية لقوانين (م144) وإصدار لوائح الضبط (م145) وإنشاء المرافق والمصالح العامة والوزارات والهيئات والمؤسسات العامة (م146) وإصدار قرارات لها قوة القوانين في غيبة مجلس الشعب (م147).
 
وهذه السلطات لم يعد يحق لرئيس الجمهورية ممارستها وحده، إنما صار لمجلس الوزراء القائم الآن وما يليه الحق في مشاركته فيها، كما أن سلطة رئيس الجمهورية في إصدار قرارات لها قوة القانون بتفويضٍ من مجلس الشعب (م108) صار شرطًا أن يؤخذ فيها رأي رئيس الوزراء، كما صار شرطًا أخذ رأيه كذلك عند ممارسة رئيس الجمهورية لسلطته في إعلان حالة الطوارئ طبقًا للمادة 148 من الدستور وأن يؤخذ رأي رئيس الوزراء كذلك في تعيين نوابه والوزراء ونوابهم (م138).
 
سنجد طبعًا مَن يقول إن هذه ظاهرة إيجابية لأنها تسير في اتجاه توزيع السلطة وتنهي انفراد رجل واحد بها، وأنها قد تكون مؤثرة في تقليل ظاهرة شخصنة السلطة واستبداد مشيئة فردية واحدة بها وقابضة عليها، ولكن الدلالة السياسية والواقعية، لا تكشف عنها نصوص محدودة معزولة عن النصوص الأخرى وعن السياق الواقعي.
 
وقد سبقت الإشارة إلى أن هذه التعديلات وأنها ذاتها تنتقص من سلطات رئيس الجمهورية لصالح رئيس الوزراء وتجعل هذا الأخير شريكًا أصيلاً للأول، هذه التعديلات ذاتها رتجت الأبواب أمام أي تأثيرٍ شعبي أو ديمقراطي على مؤسسات السلطة، وأغلقت أبواب مجلسي الشعب والشورى دون دخول أي مواطن بالترشيح والانتخاب، إذا لم يكن في حزب الحكومة وإذا لم يكن منتميًّا لحزب رسمي، بمعنى أن يكون في حزب إما وافقت عليه الحكومة فنشأ، أو هو حزب قائم ولم تستخدم ضده الحكومة ما تستخدم من وسائل الوقف والإنهاء الفعلي والرسمي، طبقًا للسوابق المعروفة سواء في حزب مصر الفتاة أو حزب العمل أو غيرهما.
 
(5)
وبهذا السياق فإن توزيع السلطة دستوريًّا بين هيئات فيها، وهي كلها منغلقة دون أي تأثيرٍ ديمقراطي عليها، إنما يكون ذا واحدة من دلالتين فقط:
أولاهما: أن يكون توزيع السلطة بين الرئيس وأتباعه بالدستور هو نوعٌ من ذر الرماد في العيون ليظهر التعديل متزخرفًا بنقوش التعددية وتوزيع السلطة، وهذا الاحتمال قائم ووجيه وتؤيده طبعًا كل ما تُحاط به مسألة تعديل الدستور من أنشطةٍ إعلاميةٍ للداخل والخارج، وليبدو بها أن النظام يتجمل بالمساحيق وجراحات النفخ وتذويب الشحوم وشد التجاعيد ونحن هنا نكون أمام أمرٍ طريفٍ جدًّا، لا أعرف له سابقةً في تاريخ سياسي ولا في قانون دستوري، وهو أن تُصدر أحكام دستورية ملزمة تُحتِّم على الرئيس أن يشاور من عيَّنه ويستطيع أن يعزله في أي وقت، وأن يشارك في القرار من للرئيس عليه ذات السلطة، وإذا كان لأي رئيس أو أي صاحب قرار أن يعين شخصًا وأن يعزله بإرادته وحده، يكون هذا الرئيس قد ملك إرادة من عينه ويستطيع عزله، وهذا ما كنا نسير عليه في عملنا القانوني عند صياغة القوانين واللوائح المنشئة لمجالس إدارة الهيئات والشركات والمؤسسات ونحوها بما يتعين معه ألا يكون لرئيس أي مجلس أو عضو فيه سلطة تعيين وعزل لعضو بالمجلس ذاته، وألا يكون قد ملك صوته عند التصويت، والقول بعكس ذلك يعني أنه يمكن لقانون أن يوجب على شخص أن يستشير نفسه قبل اتخاذ القرار أو أن يشارك ذاته؛ لأن هذا "محال في القياس بديع" كما يقول الشاعر.
 
ثانيتهما: أن يكون هناك في الواقع وفي داخل المجموعة الحاكمة اليوم، نوع من أنواع تجاذب السلطة أو التدافع بشأنها، الذي لا يصل إلى درجة الصراع، وذلك لضمان بقاء سياسات معينة اتخذت أخيرًا في السنوات القليلة الماضية وتتبع الآن بإصرار وبسرعة عجيبة، لتفكيك أواصر الدولة وهيئاتها ومؤسساتها وبعثرة طاقاتها، كما نلاحظ في مشروع قانون الموظفين الجديد الذي لا يزال مطروحًا وفي عمليات البيع السريع لشركات تُنتج سلعًا إستراتيجيةً وهي رابحة وغير ذلك، أو أن يكون تدافعًا وتجاذبًا لفتح في طريق وراثة الحكم ولتهيئة السبل لذلك عن طريق تصعيد منصب نائب رئيس الجمهورية في ولاية العهد، وليناط به الآن من الصلاحيات والممكنات ما يقوي نفوذه الشخصي على أجهزة الدولة وينشئ علاقات وثيقة برجالها ويضبط صلاته بهم وقدرته على تحريكهم، وذلك يجعل سهمه هو الراجح عندما تتهيأ الظروف.
 
ويلاحظ أن السلطات المخولة لرئيس الجمهورية في الدستور بالمواد 108، 144، 145، 146، 147، 148، 151 هي أهم سلطات لرئيس الجمهورية تمكنه من إدارة شئون البلاد من خلال سيطرته على أجهزة الدولة في كافة المرافق بكافة القوانين وكافة الوزارات والهيئات والمؤسسات، وإن إشراك غيره معه فيها يفيد بمشاركة فعلية لا يمكن إنكار آثارها، وذلك بشرط واحد، هو أن يكون رئيس الوزراء بعد تعيينه مستندًا إلى قوةٍ ذاتية تأتيه من خارج رئاسة الجمهورية.
 
وعلى كل الأحوال فإن منصب رئيس الجمهورية في مصر، وإن كان تشخصن عبر العقدين الأخيرين، فإنه منصب لا تزال تتبعه مؤسسات سياسية ذات أثر وخطر وهي ذات علاقة مباشرة بالرئاسة؛ ولذلك فإن هذه التعديلات قد يكون من شأنها أن تقلل من الأوزان النسبية لها لصالح مجلس الوزراء ومن يهيمنون عليه، وللمرء أن يستدل بقدر ما يستعلم وبقدر ما يتوافر له من معارف والحمد لله.
------------ --
* نقلاً عن جريدة "الدستور" 21 من مارس 2007م

05:09 - 2007/5/12 - للتعليق


الصفحة الأخيرة الصفحة التالية
وصف المدونة
هو جمع لمقالات المستشار العلامة المفكر طارق البشرى النائب الاول لرئيس مجلس الدولة الاسبق .. فهو الأحق ان تكون له مدونة تجمع علمه وفكره عسى أن ينتفع بها المجتمع و الأمة و أسأل الله تعالى أن يكتب له أجر هذا العلم (وعلم ينتفع به ) وأن يكتب لى أجر نشره
الصفحة الأولى
بياناتي الشخصية
الأرشيف
الأصدقاء
المناخ التشريعى و القانونى للمجتمع المدنى
أرفعوا الوصاية عن أقبــاط مصر
كتب المستشار طارق البشرى بدار الشروق
حقوق غير المسلمين في المجتمع المسلم
المستشار طارق البشرى فى سطور
آخر المقالات
- طارق البشري : السلطة القضائية في مصر تواجه امتحانا عسيرا
- التعديلات الدستورية ومؤسسة الرئاسة ومجلس الوزراء
- حوار: الصحوة الإسلامية أضافت الكثير لحياتنا (من العلمانية الى الاسلامية)
- حوار عن الدستور والمرجعية الإسلامية
- منهج النظر في أسس البناء الديمقراطي
- نظرة من داخل الواقع المصري
- إن مواد الدستور الثلاثة الأولى حددت بوضوح الهوية الاسلامية للدولة
- حوار على موقع كفاية نقلا عن الوفد 3/9/2006
- حوار على جريدة العربى15/1/2005
- حوار على جريدة العربى 7/5/2005
-->