عالم المستشار العلامة طارق البشرى

طارق البشري : السلطة القضائية في مصر تواجه امتحانا عسيرا

بقلم
طارق البشري : السلطة القضائية في مصر تواجه امتحانا عسيرا

اعتبر المستشار طارق البشرى ان مطلب القضاة باستقلال السلطة القضائية عن الحكومة واشراف قضائي كامل على الانتخابات النيابية والرئاسية يعتبر أحد دلائل انسداد المنافذ أمام النظام الحاكم

المستشار/ طارق البشري

.

كما يحذر من افراغ العمل القضائي من محتواه مشيرا الى أن السلطة القضائية في مصر تواجه امتحانا عسيرا.
ووصف هذا الامتحان بأنه فتنة حيث يواجه القضاة ما يشبه العقيدة السياسية التي تجعل الحكومة والبرلمان والحزب الحاكم "ثلاثة في واحد ، ثلاثة أشكال ومظاهر لسلطة واحدة ذات ادارة ومشيئة واحدة. هم ثلاثة في الشكل وواحد في الجوهر".

وقال ان القاضي يقبض على استقلاله كالقابض على الجمر وان القضاة قادرون على ذلك لكن القدرة شيء والتمكن شيء اخر لان التمكن مرتبط بعوامل خارج استطاعتهم فالقاضي في الانتخابات يواجه مؤسسات لا أفرادا "يواجه الحكومة وحزبها الذي يهدف الى التغلب برجاله".

وأضاف في كتابه (القضاء المصري بين الاستقلال والاحتواء) أن القاضي في مثل هذه المواجهة لابد أن يتحصن في الهيئة القضائية فليس باستطاعة فرد أن يواجه تكوينا مؤسسيا لا يواجه الا بتكوين مؤسسي اخر.

ويقع الكتاب في 96 صفحة كبيرة القطع ويصدر يوم الاربعاء في القاهرة عن (مكتبة الشروق الدولية(

وألقت الازمة بين السلطة المصرية والقضاة بظلالها على بعض وجوه العمل السياسي حيث ألقت قوات الامن القبض على عشرات النشطاء خلال الاسبوعين الماضيين وقال بعضهم انهم تعرضوا للضرب لتنظيمهم مظاهرات مؤيدة للقاضيين محمود مكي وهشام البسطاويسي حيث يساءلان أمام محكمة تأديبية تنظر في صلاحيتهما لولاية القضاء.

ويقول القاضيان ان محاكمتهما نوع من العقاب على مطالبتهما مع مئات القضاة باستقلال كامل للسلطة القضائية عن السلطة التنفيذية واشراف قضائي كامل على الانتخابات النيابية والرئاسية.

وقال البشري الذي كان نائبا أول لمجلس الدولة ان الاشراف القضائي على الانتخابات يقتضي أن يكون القائمون به أعضاء في الهيئات القضائية وهي المحاكم ومجلس الدولة فقط مستبعدا مشاركة أعضاء النيابة العامة حيث ينص قانون السلطة القضائية صراحة على تبعيتهم لوزير العدل.

وأوضح أن وزير العدل ليس من الهيئة القضائية فهو "يقينا من أفراد السلطة التنفيذية وهو غير مستقل لخضوعه لرئاسة الوزراء ولمجلس الوزراء وهو يشغل وظيفة سياسية مما يمتنع على القضاة الاشتغال بها مهما بقوا قضاة عاملين وهو لا يتمتع بضمانة من ضمانات الاستقلال في قراراته وليس من حصانة له من عدم العزل" حيث ينص الدستور على أن القضاة غير قابلين للعزل.

وربط بين الاصلاح القضائي والاصلاح الديمقراطي قائلا ان النظم السياسية حين تكون في ضائقة وتنسد عليها المنافذ تعمد الى اقتلاع أعمدة من البنية الاساسية للدولة وتضرب بها الاخرين كما حدث في عامي 1951 و1952 في نهاية حكم الملك فاروق وعامي 1968 و1969 "بعد انكسار ثورة يوليو وهو ما يحدث الان على مدى السنوات الاخيرة."

وقال ان العمل على افراغ العمل القضائي من محتواه هو مسلك سياسي ربما ينتفع به على المدى القصير ولكنه يهدم الكثير من نظام الحكم ذاته مشبها ذلك بتاجر يسيء استغلال الاسم التجاري بوضعه بضاعة فاسدة أو من يبيع أثاث بيته ليعيش في رغد فترة قصيرة ثم يجيء الطوفان على حد وصفه.

وأضاف أن السلطة التنفيذية في مصر تنشيء حزبا تخوض به الانتخابات التي تشرف عليها وتسيرها السلطة التنفيذية بأدواتها الامنية والاقتصادية والاعلامية ومن هنا تنشأ المؤسستان التشريعيتان وهما مجلسا الشعب والشورى "عن طريق حزب الحكومة بما يضمن سيطرتها عليهما."

ونشأ المؤلف في بيت قضاء فهو ابن المستشار عبد الفتاح البشري الذي شغل منصب رئيس محكمة الاستئناف في الاربعينيات.

ويعد البشري من بين أبرز المؤرخين المصريين ومن دراساته (المسلمون والاقباط في اطار الجماعة الوطنية) و(الديمقراطية ونظام 23 يوليو) و(الحركة السياسية في مصر.. 1945 – 1952(

وقال البشري ان المحكمة الدستورية حكمت بعدم شرعية المجالس النيابية في مصر لاربعة انتخابات في أعوام 1984 و1987 و1990 و1995 وترتب على ذلك بطلان تشكيل المجالس النيابية على مدى 16 عاما متصلة بين عامي 1984 و2000 كانت مصر خلالها "خارج اطار الشرعية الدستورية".

احد مظاهرات دعم استقلال القضاة


وشدد على أن مطالب القضاة التي ثارت في الاونة الاخيرة ليست مطالب خاصة بهم ولكنها مطالب مؤسسية تتعلق برسالة القضاء في مصر مشيرا الى أهمية دور نادي القضاة في حراسة أداء الرسالة القضائية فهو ليس مجرد نقابة أو ناد اجتماعي لكنه التشكيل المؤسسي الوحيد الذي يجمع القضاة ويحرس أداءهم ومهنتهم السامية كما يدافع عن موجبات استقلال القضاة بوصفهم سلطة دستورية.

وقال ان السلطة التنفيذية ممثلة في وزارة العدل منذ الاربعينيات تسعى للاحاطة بالهيئات القضائية والهيمنة عليها وكان نادي القضاة هو المؤسسة التي تمثل قطبا يجذب أعضاءه استقلالا عن وزارة العدل والوزير الذي يشغل منصبا سياسيا حزبيا ويمثل السلطة التنفيذية.

وأضاف أن كبار رجال وزارة العدل هم من كبار رجال القضاء ندبا من المحاكم مشيرا الى أن الوضع الوظيفي المؤسسي يتغلب في النهاية على الاوضاع الذاتية لشاغلي الوظائف المؤسسية. وأبدى دهشته من قيام وزارة العدل الان بادارة القضاء "ننتدب من كبار رجال القضاء من يديرون القضاء من خارج القضاء" مفضلا أن يدار القضاء من داخله بعيدا عن أي تبعية بين سلطتين تقف احداهما وهي القضائية رقيبا للمشروعية على الاخرى التنفيذية.

وأضاف أن قرارات نادي القضاة العام الماضي بوجوب الاشراف الكامل والحقيقي على الانتخابات لا يعتبر اشتغالا بالسياسة "واذا اعتبرت هذه المطالب اشتغالا بالسياسة فلابد من اعتبار عملية الاشراف على الانتخابات التي أوجبتها عليهم المادة 88 من الدستور اشتغالا بالسياسة لان هذا الاشراف هو أصل المطالبة".

ويقود رئيس نادي القضاة المستشار زكريا عبد العزيز وأعضاء مجلس ادارته حملة المطالبة باستقلال القضاء ونزاهة الانتخابات.

وجرت العادة في مصر على تعيين بعض القضاة كمحافظين.

ويرى البشري صونا لاستقلال القضاء ألا يعين قاض بوظيفة أخرى الا بعد تركه القضاء بثلاث سنوات وألا يتقرر لقاض معاش استثنائي عند تركه القضاء الا بعد عرض الامر على جهات القضاء لوضع الضوابط المناسبة.

ويضيف أن نظم الحكم عندما تكون قوية وتستند الى شرعية فانها تتعامل بثقة وشجاعة لكنها حين تفقد القوة "تكون على درجة عظيمة من الاحتياج لان تستر سياساتها وممارساتها وأفعالها" ، وأشار الى أن تمسك القضاة باستقلالهم هو رفض لاستغلال ظاهر حيادهم الوظيفي لتحقيق أهداف منحازة للقابضين على نظام الحكم

امل الامة عن رويترز

11:45 - 2007/5/24 - التعليقات {0} - للتعليق


التعديلات الدستورية ومؤسسة الرئاسة ومجلس الوزراء

بقلم
التعديلات الدستورية ومؤسسة الرئاسة ومجلس الوزراء
 
 المستشار طارق البشري
المستشار البشري 
 
ونحن في ختام هذه الحالة التي بدَت لي حالةً عبثيةً، وهي المتعلقة بتعديل الدستور، قد يكون من المناسب الإشارة إلى بعض الأمور التي لم تحظَ من المتحاورين باهتمام يُذكر.
 
إما أن الموضوع- تعديل الدستور- كان حالةً عبثيةً، فذلك في ظني يرجع إلى ما سبق أن أشرت إليه في كتابات سابقة ومنذ أوائل سنة 2004م، من أن المطلوب لمصر بإلحاحٍ هو الإصلاح السياسي وأنه لا إصلاح دستوريًّا يفيد الأمة قبل أن نسير خطوات واسعة في الإصلاح السياسي، وأن الإصلاح السياسي متوقفٌ على إنهاء حالة الطوارئ دون بديل لها من قانون استثنائي يسمى بقانون الإرهاب وعلى إتاحة حرية التنظيم الحزبي والجماعي السلمي دون أي عوائق وعلى رفع يد الوصاية الإدارية الحكومية عن هيئات المجتمع الأهلي وأن كل ذلك خليق في مدى محدود من السنين أن تتبلور بها القوى السياسية والاجتماعية والثقافية، بما يسمح بتبين أوزانها النسبية بين بعضها من خلال مواقف كل منها ومطالبه وأهدافه ومدى ما يعبر عنه عن مصالح وطنية وجماعية، ثم بعد ذلك يمكن إعداد الدستور الذي تصنعه هذه القوى لو تشارك في صنعه بقدر ما يكون لها من وزن سياسي حقيقي في الأمة، وبقدر ما تختص من أهداف وطنية وشعبية ومصالح اجتماعية واقتصادية.
 
كما أن الأمر يحتاج إلى ترميم أجهزة إدارة الدولة في كل جوانب عملها العام، لأداء ما يُناط بها من وظائف فنية في تسيير المرافق وإدارة الخدمات وإنعاش الأداء المهني، سواء في مجالات الإنتاج أو التعليم أو الخدمات أو الأمن القومي أو القضاء؛ وذلك لإعادة تركيب ما انفكَّ من أواصل هذه الأجهزة من سوء الإدارة والفساد والغواية وفقدان الهدف العام وتضييع المسئوليات العامة؛ وذلك على السنوات الثلاثين الأخيرة.
 
وإن ما سبق من التعديلات الدستورية للإصلاحات السياسية أشعرني بأن الأمر لا يعدو أن يكون إجهاضًا للإصلاح السياسي، وسبقًا للأحداث بإصلاح دستوري تتمكن السلطة القائمة في أزمتها من التجميل به ليجري في إطار مصلحتها هي؛ لترمم به ما انشرخ وانصدع من قوائمها المتهاوية وتعالج به علل نظامٍ سياسي، وإن لم يعد يستطيع حِراكًا ولكنه لا يزال قائمًا، لعدم نضوج مَن يحل محله.
 
ووقعت المعارضة في هذا الفخ، ولم تكتفِ فصائل عديدة منها من أن تتجاوب مع مطلب إصلاح دستوري ليست هي مستعدة بقوتها الموجودة على فرض أي تعديلٍ فيه لصالحها بل إن بعض فصائلها استجاب بحماسٍ مثير لهذه الدعوة، وشارك فيها بما لا يعدو أن يكون قيامًا بأدوار ثانوية في مسرحية مدونة النهاية سلفًا.
 
ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
لقد استغرقت هذه "الحالة الدستورية" نحو ثلاث سنوات في زرعها منذ أوائل 2004م، ثم استغرقت نحو سنة ونصف السنة في إثارتها وإلهاء الناس بها بما يفيدهم، وتركت الحكومة حبل الكلام والنقاش على غاربه، فقال الناس ما يريدون وفعلت هي ما تريد.
 
هذه "الحالة الدستورية" توشك الآن على نهايتها الإثنين المقبل المحدد للاستفتاء الذي ستجيء نتيجته بإقرار التعديلات التي أعدتها الحكومة بنسبة تأييدٍ شعبي مُقدَّرة سلفًا من جانب معدي حملة الاستفتاء ومنفذيه، ويكون النظام السياسي قد حقق أهدافه الثلاثة التي كانت متوقعةً سلفًا من سعيه لتعديل الدستور. حتى قبل أن يعلن رسميًّا عن مشروع التعديل في ديسمبر سنة 2006م، وقد سبق أن أبديت رأيي هذا في شهر مايو 2006م، قبل أن تصدر التعديلات المذكورة هذه الأهداف الثلاثة هي:
 
توجيه أحكام الدستور الخاصة بالحريات لتقبل إصدار قانون باسم مكافحة الإرهاب يحل محل حالة الطوارئ ويمكن للنظام السياسي كل إمكانات الطوارئ عندما تكفله له المواد 41، 44، 45 فقرة 2 من حرمات، وعصم وحقوق آدمية، وكذلك تقويض نظام الإشراف القضائي الكامل على العملية الانتخابية مما كفلته المادة 88 من الدستور حسبما حكم المحكمة الدستورية الصادر في يوليو سنة 2000م، وكذلك ضمان حصر غالبية أعضاء مجلسي الشعب والشورى في الأحزاب المعترف بها رسميًّا من الحكومة دون المواطنين غير الحزبيين أو من ينتمون إلى تيارات سياسية لم تعترف بها الحكومة.
 
(2)
على أي حالٍ فإن ما أود أن أضيفه في هذا الحديث، هو الإشارة إلى جانبٍ أظن أنه لم يحظَ باهتمامٍ كبيرٍ من جمهرة مَن اهتموا بتعديلات الدستور، وكتبوا عنها وكشفوا ما انطوت عليه، وهذا الجانب يتعلق بالتوزيع الداخلي للسلطة بين رئيس الجمهورية والتابعين له من رجاله هو جانب لا يمس سلطة رئاسة الدولة ورجالها تجاه الشعب، وهي السلطة التي تزداد جبروتًا وسيطرةً وضمانًا بالتعديلات المزمع طرحها للاستفتاء، ولكنه يتعلق بطريقة إدارة أجهزة المحكمة والدولة بين الرئيس ورجاله، ويبدو أن رجال الرئيس والقريبين منه والمحيطين به وتلك الحلقة الضيقة التي تملك باسمه زمام الأمور الآن، وتقرر السياسات تحت جناحه يبدو أن هؤلاء الرجال صاروا يطمحون إلى حصةٍ في الحكم تكون ذات وضع رسمي، وتجعلهم مشاركين أصلاً للرئيس في سلطته وليسوا تابعين له يعملون من خلاله فقط.
 
والحال أن أحكام دستور 1971م، في المادة 139 نص على أن "لرئيس الجمهورية أن يُعين نائبًا له أو أكثر ويحدد اختصاصاتهم ويعفيهم من مناصبهم"، وهذا الحكم يتفق مع سوابق النظام الجمهورية كله في مصر منذ دستور 1956م، وتعيين نائب الرئيس (جوازي) لرئيس الجمهورية، وإعفائه من منصبه سلطة مطلقة لرئيس الجمهورية وتحديد اختصاصاته مشيئة غير محدودة لرئيس الجمهورية، فهو مشمول بالتبعية الكاملة للرئيس، والرئيس عبد الناصر عيَّن نوابًا له أحيانًا وعيَّن نائبًا وحيدًا أحيانًا أخرى، والرئيس السادات عيَّن نائبًا له، وحدث في الحالين أن نائب الرئيس عند وفاته هو مَن صار رئيسًا فصار منصب نائب الرئيس أشبه بولايةِ العهد بتعيين الرئيس مَن يخلفه، وصارت خطورة منصب النائب لا تتعلق بسلطاته فهو تابع، ولكنها تتعلق باحتمالاتِ المستقبل بحسبانها وعدًا بالرئاسة بعد انقضاءِ مَن عيَّنه.
 
ومن جهةٍ أخرى، فإن الرئيس حسني مبارك منذ توليه رئاسة الجمهورية، كان لديه خط ثابت ألا يُعين نائبًا للرئيس، وبلغ من الحسم في هذا الأمر ما بلغه من إصرارٍ عليه وما بلغه من الاستمرار فيه مدة خمس وعشرين سنة حتى الآن، ويمكن تصور إن لم يكن مأذونًا لأحد أن يفاتحه في هذا الأمر ولا أن يكون صحفيًّا أجنبيًّا أو مَن لا نعرف أنَّ في مباحثاته ثنائية خاصة.
 
وكان ذلك فيما ظهر يتعلق بدواعي اطمئنانه الذاتي وبموجبات حصانته الشخصية، الأمر الذي بدا ذاتيًّا بحتًا، ويصعب توجيه النظر فيه إلى احتمالات مستقبلية لا يليق إثارتها.
 
وفيما يبدو لقد انتهز المحيطون به في الفترة الأخيرة ظرف النظر في مبدأ تعديل الدستور لتنشيط ما شاخ من جسم الدولة المشخصنة وترميم ما انصدع من هياكلها، انتهزوا هذه الفرصة لفتح طريقٍ خلفي تسير فيه عملية ولاية العهد فكانت التعديلات التي سأشير إليها حالاً.
 
(3)
إن المواد 82، 84، 85 من الدستور تنصُّ أولاً على أنه "إذا قام مانع مؤقت يحول دون مباشرة رئيس الجمهورية لاختصاصاته أناب عنه نائب رئيس الجمهورية"، وتنص ثانيتهما على أنه "في حال خلو منصب الرئيس أو عجزه الدائم يتولى الرئاسة مؤقتًا رئيس مجلس الشعب فإن لم يوجد لحل المجلس تولاها رئيس المحكمة الدستورية العليا"، وتنص المادة 85 على أنه "إذا وُجهت تهمة الخيانة لرئيس الجمهورية تولى الرئاسة مؤقتًا نائب الرئيس"، قد بقيت هذه النصوص الدستورية غير قابلة للأعمال لعدم وجود نائب رئيس طوال الخمس وعشرين سنة الماضية، والأيام مضت والسنون توالت وما كان بعيدًا صار قريبًا بحكم طبائع الأمور.
 
لذلك ورد باقتراحات التعديل، ما يشير إلى حلٍّ لهذه المسألة يأتي من بابٍ خلفي بمراعاة عدم ملاءمة إثارة موضوع تعيين نائب الرئيس، فجاء في اقتراحاتِ التعديل "ما يسمح بحلول رئيس مجلس الوزراء عند تعذر حلول نائب رئيس الدولة.."، دون أن يباشر حل مجلس الشعب أو إقالة الحكومة أو طلب تعديل الدستور، وهكذا يصير رئيس الوزراء هو "ولي العهد" بهذا التعديل بدلاً من تسمية أحد في المنصب البغيض، منصب نائب رئيس الجمهورية هذه واحدة، وبهذا يكون أصحاب التعديل قد سعوا لحفظ مصالحهم المرتبطة بموقعهم في السلطة وباستمرارها من بعده، أما الوطن ومصلحته فله رب يحميه مما حل به في العقود الأخيرة ومما لا يزال يحل به للآن.
 
يصاحب هذه المكانة التي يرتقي إليها منصب رئيس الوزراء وتكون له سلطات نائب رئيس الجمهورية وولي عهده يصاحب ذلك سلطات فعلية يمنحها هذا التعديل الدستوري الأخير لرئيس الوزراء خصمًا من سلطة رئيس الجمهورية أثناء وجوده وشغله لمنصبه وممارسته لسلطاته الدستورية، وهذا في ظني من أخطر ما ورد بالتعديل الأخير، وهو غير مسبوق بمصر منذ قيام النظام الجمهوري فيها ومنذ 23 يوليو سنة 1952م، وقد كاد يكون هذا طريقًا لتعديل موازين السلطة والتعددية داخلها لولا أنه مصاحب بدعم السلطة التنفيذية ضد أي إمكانية لإجراء انتخابات نزيهة تُمكِّن من تداول السلطة في مصر بين تيارات وأحزاب سياسية شعبية.
 
إن النظام الحاضر بعد تعديل الدستور، سيكون أشد جبروتًا في مواجهة أي تشكيلاتٍ شعبية وسيكون أعظم استبدادًا بالحكم، وانفرادًا به وأكثر منعةً في مواجهة تحديات المعارضة، وذلك بإقصائه الإشراف القضائي الكامل عن العملية الانتخابية، وبحرمانه المواطنين من حق الترشيح للمجالس النيابية إلا عن طريق انتمائهم لأحزاب (إما أن تكون الحكومة قد وافقت على قيامها أو أنها تملك عليها إمكانات فعلية لتفجيرها من داخلها والقضاء عليها كما حدث في العديد من الأحزاب العامة مما هو معروف ومشتهر ولا مجال لشرحه الآن)، وكذلك بإلغائه الحقوق والضمانات الدستورية التي كان الدستور قبل التعديل يكفلها للمواطنين ضد القبض والاعتقال والتفتيش وتقييد الحرية ودخول المساكن والرقابة على المراسلات والاتصالات.
 
ولذلك فإن مشاركة رئيس الوزراء لرئيس الجمهورية في السلطة في الهيكل الدستوري الذي يرسمه هذا التعديل لا تفيد انفتاحًا للنظام السياسي على نوعٍ من التعددية ولا تفيد أنها طريق لانفتاحٍ ديمقراطي على التيارات الشعبية، إنما هو إعادة توزيع لمجالات اتخاذ القرار السياسي في الدولة خصمًا من سلطة رئيس الجمهورية وخصمًا من سلطة مؤسسة الرئاسة في مصر، وذلك لصالح جماعةٍ أخرى أمكنها في الفترة الأخيرة وبالتعديل الدستوري الذي قدمته أو شاركت فيه أن تقتنص هذه المكانة الدستورية الجديدة وللساسة ولمحللي الأحداث أن يتفكروا في دلالة هذه المسألة وأثرها في مسار أحداث المستقبل إذا كانت خطوات تتخذ لتتلوها خطوات أخرى نحو نوعٍ من انتقال السلطة في مصر أو المشاركة فيها.
 
(4)
أما الطريقة التي جرى بها هذا التعديل، فنلحظها في أن الرئيس عندما تقدَّم باقتراحاتِ التعديلات، أشار في البند الحادي عشر من التعديلات المقترحة إلى أن المادة 138 من الدستور الحالي تنص على أن "يضع رئيس الجمهورية بالاشتراك مع مجلس الوزراء السياسة العامة للدولة ويشرفان على تنفيذها"، وتنص المادة 141 على أن "رئيس الجمهورية هو من يُعين رئيس الوزراء ونوابه والوزراء ونوابهم ويعفيهم من مناصبهم"، ومن ثم فالمشاركة في رسم السياسات وتنفيذها رُسمت بالدستور بغير ضوابط تفصل بين الرئيس ومجلس الوزراء وأنه هو من يُعين بغير قيدٍ من إدارةٍ أخرى.
 
وطلب الرئيس في التعديل الدستوري أن يشمل تعديلاً لكافة اختصاصات رئيس الجمهورية الواردة في المواد 108، 144، 145، 146، 147، 148، 151، الفقرة الثانية لتكون ممارسته لهذه الاختصاصات مقرونة بموافقة مجلس الوزراء في بعضها وباستشارة مجلس الوزراء في بعضها الآخر، كما أورد التعديل وجوب أن يشارك رئيس الوزراء رئيس الجمهورية في تعيين نواب رئيس الوزراء والوزراء ونوابهم.
 
وقد تضمن الذي صاغه مجلس الشعب تعديلاً لنص المادتين 138، 141 من الدستور، فأفاض التعديل للمادة 138 فقرة ثانية هي "ويمارس رئيس الجمهورية الاختصاصات المنصوص عليها في المواد 144، 145، 146، 147 بعد موافقة مجلس الوزراء، والاختصاصات المنصوص عليها في المواد 108، 148، 151 فقرة ثانية بعد أخذ رأيه"، كما عدل المادة 141 بأن رئيس الجمهورية يعين رئيس الوزراء ثم يكون تعيين نواب رئيس الوزراء والوزراء ونوابهم وإعفاؤهم من مناصبهم "بقرارٍ من رئيس الجمهورية بعد أخذ رأي رئيس مجلس الوزراء".
 
وجدير بالملاحظة أن السلطات التي ينيطها الدستور لرئيس الجمهورية بالمواد 144، 145، 146، 147 هي إصدار اللوائح التنفيذية لقوانين (م144) وإصدار لوائح الضبط (م145) وإنشاء المرافق والمصالح العامة والوزارات والهيئات والمؤسسات العامة (م146) وإصدار قرارات لها قوة القوانين في غيبة مجلس الشعب (م147).
 
وهذه السلطات لم يعد يحق لرئيس الجمهورية ممارستها وحده، إنما صار لمجلس الوزراء القائم الآن وما يليه الحق في مشاركته فيها، كما أن سلطة رئيس الجمهورية في إصدار قرارات لها قوة القانون بتفويضٍ من مجلس الشعب (م108) صار شرطًا أن يؤخذ فيها رأي رئيس الوزراء، كما صار شرطًا أخذ رأيه كذلك عند ممارسة رئيس الجمهورية لسلطته في إعلان حالة الطوارئ طبقًا للمادة 148 من الدستور وأن يؤخذ رأي رئيس الوزراء كذلك في تعيين نوابه والوزراء ونوابهم (م138).
 
سنجد طبعًا مَن يقول إن هذه ظاهرة إيجابية لأنها تسير في اتجاه توزيع السلطة وتنهي انفراد رجل واحد بها، وأنها قد تكون مؤثرة في تقليل ظاهرة شخصنة السلطة واستبداد مشيئة فردية واحدة بها وقابضة عليها، ولكن الدلالة السياسية والواقعية، لا تكشف عنها نصوص محدودة معزولة عن النصوص الأخرى وعن السياق الواقعي.
 
وقد سبقت الإشارة إلى أن هذه التعديلات وأنها ذاتها تنتقص من سلطات رئيس الجمهورية لصالح رئيس الوزراء وتجعل هذا الأخير شريكًا أصيلاً للأول، هذه التعديلات ذاتها رتجت الأبواب أمام أي تأثيرٍ شعبي أو ديمقراطي على مؤسسات السلطة، وأغلقت أبواب مجلسي الشعب والشورى دون دخول أي مواطن بالترشيح والانتخاب، إذا لم يكن في حزب الحكومة وإذا لم يكن منتميًّا لحزب رسمي، بمعنى أن يكون في حزب إما وافقت عليه الحكومة فنشأ، أو هو حزب قائم ولم تستخدم ضده الحكومة ما تستخدم من وسائل الوقف والإنهاء الفعلي والرسمي، طبقًا للسوابق المعروفة سواء في حزب مصر الفتاة أو حزب العمل أو غيرهما.
 
(5)
وبهذا السياق فإن توزيع السلطة دستوريًّا بين هيئات فيها، وهي كلها منغلقة دون أي تأثيرٍ ديمقراطي عليها، إنما يكون ذا واحدة من دلالتين فقط:
أولاهما: أن يكون توزيع السلطة بين الرئيس وأتباعه بالدستور هو نوعٌ من ذر الرماد في العيون ليظهر التعديل متزخرفًا بنقوش التعددية وتوزيع السلطة، وهذا الاحتمال قائم ووجيه وتؤيده طبعًا كل ما تُحاط به مسألة تعديل الدستور من أنشطةٍ إعلاميةٍ للداخل والخارج، وليبدو بها أن النظام يتجمل بالمساحيق وجراحات النفخ وتذويب الشحوم وشد التجاعيد ونحن هنا نكون أمام أمرٍ طريفٍ جدًّا، لا أعرف له سابقةً في تاريخ سياسي ولا في قانون دستوري، وهو أن تُصدر أحكام دستورية ملزمة تُحتِّم على الرئيس أن يشاور من عيَّنه ويستطيع أن يعزله في أي وقت، وأن يشارك في القرار من للرئيس عليه ذات السلطة، وإذا كان لأي رئيس أو أي صاحب قرار أن يعين شخصًا وأن يعزله بإرادته وحده، يكون هذا الرئيس قد ملك إرادة من عينه ويستطيع عزله، وهذا ما كنا نسير عليه في عملنا القانوني عند صياغة القوانين واللوائح المنشئة لمجالس إدارة الهيئات والشركات والمؤسسات ونحوها بما يتعين معه ألا يكون لرئيس أي مجلس أو عضو فيه سلطة تعيين وعزل لعضو بالمجلس ذاته، وألا يكون قد ملك صوته عند التصويت، والقول بعكس ذلك يعني أنه يمكن لقانون أن يوجب على شخص أن يستشير نفسه قبل اتخاذ القرار أو أن يشارك ذاته؛ لأن هذا "محال في القياس بديع" كما يقول الشاعر.
 
ثانيتهما: أن يكون هناك في الواقع وفي داخل المجموعة الحاكمة اليوم، نوع من أنواع تجاذب السلطة أو التدافع بشأنها، الذي لا يصل إلى درجة الصراع، وذلك لضمان بقاء سياسات معينة اتخذت أخيرًا في السنوات القليلة الماضية وتتبع الآن بإصرار وبسرعة عجيبة، لتفكيك أواصر الدولة وهيئاتها ومؤسساتها وبعثرة طاقاتها، كما نلاحظ في مشروع قانون الموظفين الجديد الذي لا يزال مطروحًا وفي عمليات البيع السريع لشركات تُنتج سلعًا إستراتيجيةً وهي رابحة وغير ذلك، أو أن يكون تدافعًا وتجاذبًا لفتح في طريق وراثة الحكم ولتهيئة السبل لذلك عن طريق تصعيد منصب نائب رئيس الجمهورية في ولاية العهد، وليناط به الآن من الصلاحيات والممكنات ما يقوي نفوذه الشخصي على أجهزة الدولة وينشئ علاقات وثيقة برجالها ويضبط صلاته بهم وقدرته على تحريكهم، وذلك يجعل سهمه هو الراجح عندما تتهيأ الظروف.
 
ويلاحظ أن السلطات المخولة لرئيس الجمهورية في الدستور بالمواد 108، 144، 145، 146، 147، 148، 151 هي أهم سلطات لرئيس الجمهورية تمكنه من إدارة شئون البلاد من خلال سيطرته على أجهزة الدولة في كافة المرافق بكافة القوانين وكافة الوزارات والهيئات والمؤسسات، وإن إشراك غيره معه فيها يفيد بمشاركة فعلية لا يمكن إنكار آثارها، وذلك بشرط واحد، هو أن يكون رئيس الوزراء بعد تعيينه مستندًا إلى قوةٍ ذاتية تأتيه من خارج رئاسة الجمهورية.
 
وعلى كل الأحوال فإن منصب رئيس الجمهورية في مصر، وإن كان تشخصن عبر العقدين الأخيرين، فإنه منصب لا تزال تتبعه مؤسسات سياسية ذات أثر وخطر وهي ذات علاقة مباشرة بالرئاسة؛ ولذلك فإن هذه التعديلات قد يكون من شأنها أن تقلل من الأوزان النسبية لها لصالح مجلس الوزراء ومن يهيمنون عليه، وللمرء أن يستدل بقدر ما يستعلم وبقدر ما يتوافر له من معارف والحمد لله.
------------ --
* نقلاً عن جريدة "الدستور" 21 من مارس 2007م

05:09 - 2007/5/12 - التعليقات {0} - للتعليق


حوار: الصحوة الإسلامية أضافت الكثير لحياتنا (من العلمانية الى الاسلامية)

بقلم
طارق البشري: الصحوة الإسلامية أضافت الكثير لحياتنا

 

  - احترامي للشريعة عصمني من الاستمرار في العلمانية.

 

- العلمانية تجرد الإنسان من هويته المرتبطة بعقيدته وحضارته.

 

- وسطية الإسلام عصمة الأمة من الانشقاق والتصدع عبر تاريخها.

 

- الشعارات مقبولة إذا كان وراءها وضوح سياسي.

 

- نحن مستعدون أن ننسى ماضي الغرب معنا شرط ألا يتكرر.

 

- اتهام الإسلاميين بالسطحية ظلم وتحامل.

 

- ليس أمامنا طريق سوى مقاومة المخططات الصهيونية والأمريكية.

 

- أول شرط للديمقراطية هو أن تكون صناعة محلية كاملة.


 

حاورته: د. ليلى بيومي

مفكرة الإسلام : المستشار طارق البشري قاض مصري متميز، ومؤرخ رصين أضاف للمكتبة العربية والإسلامية العديد من الكتب التي أرخت للحركة الوطنية في مصر قبل ثورة يوليو وبعدها، وهو مع ذلك مفكر لا يُشق له غبار، وكانت لإسهاماته الفكرية منطلقة من المعين الإسلامي الصافي، فاستقبلها الناس قبولاً حسناً وتفاعلوا معها.

وكانت العلامة الفارقة في حياته يوم تحول من العلمانية إلى الإسلام وأصبح قيمة مضافة للفكر الإسلامي.

عن هذه الرحلة الثرية، وعن العديد من المسائل الفكرية والسياسية نحاوره في هذه السطور.


 

** كيف كان اختيارك لطريق العلمانية؟ وكيف تحولت من العلمانية إلى الإسلام؟


 

* بعد تخرجي ونتيجة لقراءاتي كانت علاقتي بالعلمانية أنني أقرؤها بدون أن أعاديها لكن الكتابات العلمانية الفجة أو المغالية كنت أشعر بشيء من الغضاضة نحوها, ولم يكن في ذهني أن هذا ضد الإسلام. والخصومة مع العلمانية لم تكن حادة وواضحة إلى هذا الحد الذي هو قائم الآن. وقويت قراءاتي باللغة الإنجليزية وكان لدى إلمام بالتاريخ الأوروبي السياسي وبحركات السياسة الموجودة، وتعمقت هذه المعرفة بالتكوين الفكري الفلسفي والاقتصادي وخرجت من مجموع هذه القراءات علماني الفكر السياسي, وقد صاحبتني هذه الفترة في حياتي لمدة عشر سنوات من عام 1960 حتى عام 1970 وأبرز قراءاتي كانت في الفكر السياسي الغربي وفي حركات السياسية الغربية وفي حركات الاشتراكية وتجارب ثورات العالم، وكانت أيامها حركات التحرر في العالم منتصرة ودول عدم الانحياز قوية, وبدأت كتاباتي في الحركة السياسية وبدأت أكتب في مجلة الطليعة ككاتب عام 1964- 1965 ، والنشر في هذه الفترة كان متقطعًا ومحدوداً كما هو حادث الآن، وكتابي الحركة السياسية بمقدمته يوضح كيف كنت أفكر, فكان تفكيري تفكيرًا وطنيًا فيه فكرة الاشتراكية قوية من حيث أنها عدالة اجتماعية ومن حيث أنها بناء وطني مستقل من الناحية الاقتصادية والسياسية.


 

وإذا نظرنا في الصلة بين الفترتين السابقة وهذه الفترة نجد أن تفكيري في الناحية السياسية بدأ بفكرة الاستقلال الوطني السياسي لكنه متصل بحركة استقلال عالمية وبوحدة عربية وبحركة بناء اقتصادي مستقل وقوي في الداخل، ففكرتا الاستقلال السياسي والاقتصادي أصبحتا مندمجتين ولم يكن في ذهني بعد العنصر الثالث وهو الاستقلال العقيدي. كنت علمانيًا قحًا في الفكر السياسي لأنني أكره التضارب والخلط وكان لدي فكر إسلامي في أمور ثلاثة رئيسية هي معرفتي بالفقه والفقه يقودني إلى الشريعة وهذا الأمر بقي لي كأساس مهني واحترام بالغ لدور الفقهاء الإسلاميين وقدرتهم غير العادية كنسق قانوني.. والأمر الثاني يتعلق بالرزق الذي ظل دائمًا في قلبي وعقلي أنه يتعلق بقدر الله سبحانه.. ولم أشعر أني أعمل العمل العام مقابل أجر وإنما على أساس أنه واجب والأجر هو رزق يأتيني من عند الله .. والأمر الثالث هو الصحة والموت وأنهما أمر مرهون بقدر الله.


 

 


 

** لكن ما هي المحطة التاريخية والنقطة الفارقة التي جعلتك تنجذب ناحية الإسلام؟


 

* إذا كانت حرب 1956 جعلتني أقف وأفكر فإن حرب وهزيمة 1967 جعلتني أفكر مرة أخرى لأسال نفسي عن مسلماتي وسألت نفسي من أين أتت الهزيمة, هل لأن الاستعمار ضربنا؟ أم لأننا كانت لدينا قابلية لذلك, ولم أكن أشك في وطنية عبد الناصر. ومن هذه النقطة بدأت أفكر في كتابي الحركة السياسية وبدأت قراءاتي تختلف وبدأ فكري يختلف وبعد أن كان الاهتمام بالأدب العربي ثم الأدب الأجنبي والمسرح والقصة فقدت اهتمامي بالمتابعة الأدبية وأصبحت أشعر أنها لا تغذيني ولا تجيب على الأسئلة التي في ذهني وبدأت أسأل نفسي من نحن؟ إننا نريد أن نستقل أي أن تكون إرادتنا السياسية ملكًا لنا، وإذا أردنا ذلك فعلينا أن تكون لقمة عيشنا ملكًا لنا أيضا, ولكن قبل ذلك هناك مجموعة من العقائد وشعور الجماعة بتميزها وبترابطها وبإحساسها بالانتماء المشترك لكن من أين يأتي هذا؟ أنه يأتي من الجانب العقيدي والتاريخي والحضاري والصيغة العلمانية لم تعطه حقه. إن العلمانية حينما تقول لي استقل سياسيًا واقتصاديًا تفقدني الهوية التي بها استقل وتفقدني إرادة الاستقلال، فاستقلالي هنا لا يكون بإرادة استقلال حقيقية، ومن هنا بدأت استعادتي لهويتي وبدا لي الفكر العلماني في مأزق لأنه يؤدي إلى تجريد الإنسان من هويته المرتبطة بعقيدته وحضارته، بالإضافة إلى أنها مناقضة لقيم الديمقراطية لأن الديمقراطية في النهاية تكوينات شعبية لها استقلالية ذاتية في إدارة شئونها الخاصة وانصياع لحكم الغالبية من الناس الذين قد اختاروا الموقف الديني والموقف العقائدي أساسًا لرؤيتهم ودنياهم.


 

وكانت قمة استعادتي لهويتي الإسلامية رحلة الحج التي قمت بها عام 1983 ولم أسافر للحج إلا بعد أن وجدت نفسي خلصت لهذا الأمر وأعدت بنائي الفكري والسلوكي على أساس إسلامي.. وقد أخذ مني ذلك وقتًا كبيرًا حتى أسافر وأنا نظيف وهناك شعرت كأنني خرجت من جاذبية كوكب معين إلى جاذبية كوكب آخر وحينما رأيت الكعبة سألت نفسي: من الذي آتى بي إلى هنا؟ وشعرت بهداية الله وتذكرت قوله تعالى: [ثم تاب عليهم ليتوبوا].


 

 


 

** ما هو الأمر الأساسي الذي عصم الأمة المسلمة من الذوبان والانهيار والتفكك؟


 

* وسطية الإسلام هي التي عصمت الجماعة الإسلامية على طول العصور وتعدد القرون من الانشقاق والتصدع وجعلت رباط الإسلام شديدا وثيقا يضم التنوع الكبير في المدارس والمذاهب والتشكيلات الاجتماعية والثقافية وهذا الرباط الوثيق يضم التكوينات الكبرى في الفكر والسياسة لا ينفك عنها ولا تنفك عنه وأعظمها في التاريخ الإسلامي أهل النص وأهل العقل وأهل الشريعة وأهل الحقيقة وأهل السنة, فالقصد من الرباط الوثيق يرجع إلى عدد من الظواهر وهي أن الخلاف من شأنه أن يستقطب بين طرفيه ويؤدي إلى سيطرة المغالين وإلى نوع من الاتهام المتبادل يوجهه كل طرف للآخر, ومرونة الفكر الإسلامي العقدي وشمول إحاطته للاحتياجات البشرية والاجتماعية كافة في صورها الثقافية والفكرية والعلمية والوجدانية وفي تنوعها الاجتماعي والسياسي عبر الأزمان والعصور وعبر الأمصار والأصقاع أفسح للعنصرين بأن يضمهما الإطار الإسلامي ويجد كلاهما فيه مكانا فسيحا للوجود. وقد وجد كل اتجاه من تقوم دعوته على تأكيد العناصر المشتركة وإعلائها ووضع المناهج التي تمكن من الوجود المتجاور داخل الإطار العام للمفاهيم الإسلامية, إضافة إلى ذلك أن الخلافات السابقة بقيت في إطار تنوع الآراء والمذاهب داخل الإطار العام للعقيدة الإسلامية, ولذا لم نر في الإسلام انشقاقات من نوع ما حدث في المسيحية.


 

* هل استطاعت الصحوة الإسلامية في السنوات العشرين الماضية أن تضيف شيئًا له أهمية في حياتنا الثقافية والفكرية والسياسية والاجتماعية؟ أم أنها كانت عبئًا على المجتمع؟


 

** طبعًا أضافت وأضافت الكثير فيما يتعلق بحياتنا السياسية والفكرية والثقافية والاجتماعية. فالصحوة الإسلامية حركة شعبية وحركة فكرية في نفس الوقت والوجود السياسي وجود معترف به اجتماعيًا وجماهيريًا والعنصر الإسلامي أساسي في الحوارات الدائرة ولا يستطيع أحد أن ينكره والقلة القليلة التي تستطيع أن تكسر بعض منابر الكتابة في هذا الموضوع وتنكر هذا الأمر لا تجد مجالاً لإقناع غيرها بذلك. وعلى مدى العشرين سنة الماضية صار الإسلام في وعي الناس أكثر مما كان علي المستوى السياسي والثقافي وهناك ظواهر كثيرة تؤكد هذا المعنى فعندما نقارن عدد المصلين في المساجد في رمضان سواء في صلاة الفجر أو صلاة التراويح الآن بعدد المصلين في المساجد في الستينات سنجد فرقًا كبيرًا.


 

أيضًا الحجاب على المستوى الشعبي كان انتشاره تلقائيًا ولم تفرضه جهة معينة وإنما بأساليب الدعوة المختلفة احتل الحجاب مكانته بين النساء والفتيات والملاحظ هنا أن كثيرًا من الأمهات الحاسرات تحجبن بعد بناتهن والغريب أن الحركة النسائية لا تعترف بأن الحجاب ظاهرة من ظواهر الحركة النسائية أيضًا كما لو كانت الحركة النسائية مقتصرة على السفور. إن النساء اللاتي أسفرن من قبل تحجبن الآن على يد بناتهن.. وهؤلاء هن أنفسهن الحركة النسائية، لقد أخذت الحركة النسائية مدلولاً علمانيًا لا يعترف أن هناك نسوة أخريات تحجبن 'وهن أنفسهن' الحركة النسائية فلقد تحجبن بمحض إرادتهن واقتناعهن الشخصي والأسري وفرض وجودهن في المدارس والجامعات ودواوين الحكومة, والحجاب أكثر ما يكون بين المرأة العاملة والمرأة المتعلمة, ولم يكن الحجاب عائقًا في التعليم لذلك انتشر بين المتعلمات ولم يكن عائقًا للمرأة عن العمل ولذلك انتشر بين العاملات وهذه كلها أمثلة شعبية بحتة على نجاح الصحوة الإسلامية ولا يدخل فيها عنصر التوجيه السياسي والموقف السياسي إنما هو قلب يزداد امتلاؤه بالإيمان فيزداد انصياعه لحكم الإسلام وإذا كان البعض يرى أن الصحوة الإسلامية كانت عبئًا على المجتمع فلا أدري حجم المقتنعين بهذا الكلام... الكتابات كثيرة ولكن المقتنعين بها قليل.


 

* كثيرًا ما يوجه انتقاد لفصائل التيار الإسلامي بأنهم يعيشون أسرى لشعارات براقة ومطاطة وهلامية ولا يمتلكون برامج محددة هل توافق على هذا الاتهام؟


 

** طالما نتحدث في السياسة فلابد أن يكون هناك قدر من الوضوح في الأهداف والمواقف السياسية المختلفة وفكرة الشعار لا تنفي وضوح البرامج لأن الشعار يلخص المواقف والأهداف في كلمات قليلة.

 

فالشعارات مقبولة إن كان وراءها وضوح سياسي والوضوح السياسي لا يشترط فيه فيما أتصور أن يكون عن طريق برامج مكتوبة فيمكن أن يتحدد الوضوح السياسي بتحدد المواقف السياسية في القضايا المختلفة ويستخلص منها الأهداف السياسية, والذي يؤكد عليه الجانب الإسلامي هو إعادة المرجعية وإعادة الشرعية لإطارها المرجعي الإسلامي وهذا هو المفتقد في السياسات الموجودة والذي يركز عليه ويتميز به التيار الإسلامي, فحينما تأتي حركة إسلامية وترفع شعار الشريعة الإسلامية فهي تقصد بذلك إعادة المرجعية السياسية والاجتماعية مرجعية النظم والمعاملات للإطار الشرعي الإسلامي وبقدر ما تتبنى الجماهير هذا الشعار تتأكد جدية الهدف ويتأكد أيضًا مدى الاحتياج إليه.


 

* الدولة في عالمنا العربي سعيدة بالعلمانية لأنها لا تفرض عليها مرجعية وهوية محددة بينما العلمانية في أوروبا هي التي أزاحت الكنيسة وأقامت الديمقراطية والمؤسسات.. لماذا اختلف الأمر في الحالتين؟


 

** في أوروبا نشأت المرجعية الوضعية الجديدة خارج إطار الدولة عندما قامت حركة الصراع ضد الحكم الاستبدادي الملكي والإقطاعي وحكم الكنيسة وأنشأت لها داخل الأطر الاجتماعية وجودًا منفصلاً عن الدولة ونشأت الدولة داخل هذا الوجود. إن الدولة العلمانية نشأت في أوروبا امتثالاً لحركة رأي عام قوية مثلت أسسًا ومرجعيات وضعية وفرضتها على الدولة من خلال مؤسسات أهلية واجتماعية مختلفة سواء كانت أحزابًا أو نقابات أو تنظيمات مختلفة أو حتى برلمانات.. هكذا نشأت العلمانية في أوروبا. أما العلمانية في بلادنا فنشأت بشكل آخر مختلف وفي سياق تاريخي آخر. فالعلمانية في بلادنا أزاحت الإسلام كمرجعية سياسية وكمرجعية فكرية للمجتمع.. وتم هذا بواسطة الدول عندنا في القرن التاسع عشر وتم عن طريق الاحتلال وبناء أجهزة الدولة وفق ما يبتغي المحتلون الأجانب فأصبحت الشرعية العلمانية لدينا شرعية إجرائية وليست شرعية ناتجة عن خارج الدولة كما هو واضح في الحالة الأوروبية والعلمانية عندنا جعلت الدولة تستمد شرعيتها من داخلها وليس من إطار مرجعي أو فلسفات خارج هذا الإطار. وهكذا أصبحت المرجعية الشرعية في بلادنا عن طريق مرجعية إجرائية.. يعني في النظام الديمقراطي الذي عرفناه بسلطاته الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية.. فإن السلطة التشريعية تضع القوانين ويكفي أن يكون القانون صادرًا من السلطة التشريعية لكي يكون مرجعية تشريعية كاملة بصرف النظر عن الأسس قام عليها هذا القانون والتي تحميها مؤسسات الدولة ومؤسسات المجتمع المدني. وعلى سبيل المثال فإن القانون في مصر في فترة الخمسينات والستينات كان كافيًا أن يصدر عن رئيس الجمهورية وهذا يضفي عليه شرعية كاملة. والقانون قبل عام 1952 كان يصدر من البرلمان وهذا يضفي عليه شرعية كاملة بصرف النظر عن المرجعيات والفلسفات التي يستند إليها والتي تسندها وتدافع عنها مؤسسات موجودة. وحتى شرعية البرلمان في ذلك الوقت كانت تأتي من هدوئه مع المحتل الأجنبي وعدم منازعته ومناكفته.


 

* الحركة الإسلامية متهمة بأنها تظلم الغرب وتحمله مسئولية مشاكلنا وتتبنى منهج التفسير التآمري للتاريخ. فما الخطأ والصواب في هذه المقولة؟ وما علاقة ما حدث في البوسنة والهرسك وكوسوفا والشيشان بذلك؟


 

** أتصور أن الحركة الإسلامية ليست ضد الغرب بوصفه غربًا أو شعوبًا ليسوا مسلمين, وإنما السبب أنه كان هناك عدوان من الغرب على شعوب العالم الإسلامي على مدى القرنين الماضيين بالهيمنة السياسة وبالغزو والاحتلال العسكري المسلح وبفرض التجزئة على بلادنا وبالتسرب الاقتصادي والسيطرة على هذه الشعوب... فضلاً عن دور الغرب في الجانب الفكري والحضاري الذي شاع في بلادنا ليبعد المسلم عن إسلامه بقدر الإمكان.. وهذا تاريخ وحاصل على مدى عقود عديدة ونحن واجهناه بحركات المقاومة المسلحة وبثورات وانتفاضات وغير ذلك.

 

لقد حدثت مواجهة تاريخية على مدى طويل لا يستطيع أحد أن ينكرها ولا في الغرب نفسه, والغرب إذا تعامل معنا على أساس من احترام استقلالنا, وأقام علاقات من التعاون والتبادل في المجال الاقتصادي والفكري على أساس من الإقرار بتميزنا الحضاري, وبأن لنا خصائصنا وتاريخنا.. لو حدث هذا ستسقط التهمة من تلقاء نفسها.

 

ونحن مستعدون أن ننسي الماضي بعد أن يصبح ماضيًا.. لكن وقائع الماضي لا تزال حية في فلسطين مثلاً.. كم كلفتنا هذه القضية؟ وكم أهدرت من طاقاتنا, وبددت من إمكانياتنا؟ نحن مستعدون أن ننسى الماضي بشرط ألا يتكرر في البوسنة والهرسك وكوسوفا والشيشان.


 

* هل نستطيع أن نقول إن الفكر القومي مات في العالم العربي؟


 

** الحركة الإسلامية أصبحت أكثر ذيوعًا على المستوى الشعبي من الحركات القومية.. ولقد كانت مشكلة الحركات القومية أنها وضعت نفسها في مقابلة ومواجهة الحركات الإسلامية وأقامت المفهوم القومي على أنه بديل عن المفهوم الإسلامي مفارق له, وأتصور أن روافد عديدة من الفكر القومي الآن تعيد النظر في هذه المسألة وتحاول أن تقترب من التوجه الإسلامي في شكله العام وتحاول أن تضع الإسلام بين عناصر توجهها الحضاري والفكري.. ومنهم من يبتعد عن أسس الفكر المادي والعلماني ليسير في هذا الاقتراب, إننا لا نرى في الثلاثينات مثلاً عراكًا بين الإسلام والعروبة.. بل لعله التوجه الإسلامي هو ما انبثقت عنه في مصر الفكرة العربية وتميزت به عن الحركة الوطنية القُطرية المصرية التي ظهرت في العشرينات.. وكان الإسلاميون هم الذين يشجعون التوجه العربي باعتباره توجهًا نحو وحدات إسلامية أعم وأشمل من النظرة التجزيئية القُطرية.. وما حدث في مصر في الثلاثينات حدث في بلدان المغرب قبل ذلك وبعد ذلك على ما هو معروف.


 

* المثقفون الإسلاميون متهمون بالسطحية والعمومية.. هل هذا اتهام ظالم أم قائم على دليل؟ وما هي انتقاداتكم للمستوى الفكري والثقافي في الحركة الإسلامية في مصر؟


 

** أتصور أن المثقفين الإسلاميين ليسوا سطحيين.. فهم يطالبون بتحقيق أهداف لازمة للحياة الاجتماعية والسياسية.. إنهم يطالبون بأن تكون المرجعية لأحكام الإسلام في تنظيم المجتمع وعلاقاته.. وهذه المطالب لا تتهم بالسطحية لأنها مطالب حقيقية تحتاجها الجماعة بالفعل, وافتقاد هذه المطالب يمس الجماعة, ويضعف من شوكتها, ويوهن من قوى التماسك فيها في مواجهتها للمشاكل والعقبات التي تتراءى في هذه المرحلة التاريخية من حيث المخاطر الخارجية التي تواجه بلادنا.. ومن حيث ما يتعين كفالته لتحقيق النهضة الاجتماعية.

 

ويكون وجه القول هنا في اتهامهم بالعمومية بأن هذه المقاصد العامة التي يتبنونها لم تتمثل في مجموعة من الأهداف التفصيلية والبرامج المحددة, وهذه نقطة أتصور أن الوضع الثقافي العام للمثقفين الإسلاميين في هذه المرحلة- وإن لم يحقق الأهداف المرجوة كلها في تبيان تفاصيل الأهداف المذكورة بعد- إلا أنه سار على الطريق لهذا الأمر. ومطالعة الإنتاج الفكري والثقافي للمفكرين الإسلاميين في العقدين الأخيرين يكشف هذا التوجه.. والذي يتعين ملاحظته أن هناك نقصًا واضحًا لا يزال قائمًا في إدراك ما يمكن أن نسميه [فقه الواقع].. فعلوم الواقع لم تندمج بعد في الإدراك الثقافي الإسلامي.. لم تصدر عنه بعد بالشكل المطلوب بالنسبة لعلوم الاجتماع فيما أتصور وفي مجال الاقتصاد السياسي, وفي مجال العلاقات الدولية. وأتصور أن هذه المجالات الثلاثة تحتاج إلى جهد كبير من المفكرين والباحثين لكي يدلوا بدلوهم فيها ولكي يستخرجوا من الواقع دلالاته ومشاكله وتحدياته, ووجوه العلاج المناسبة لكل ذلك من وجهة النظر الإسلامية وبمراعاة الصالح الإسلامي العام.. ففي مجال التاريخ مثلاً قد نكون درسنا التاريخ الإسلامي بشكل ما من الناحية السياسية ولكننا لم ندرسه بالشكل الكافي بعد من حيث المؤسسات الاجتماعية والتكوينات الاجتماعية التي سادت على مدى الحقب الماضية. لم ندرس الوظائف الاجتماعية التي قامت بها الكثير من المفاهيم والمؤسسات التي عرفناها في الفقه, درسناها من الناحية الفقهية, لكننا لم نتفهم وظائفها الاجتماعية من ناحية الواقع التاريخي. درسنا الأسرة من الناحية الفقهية.. ولكننا لم ندرس الوظيفة الاجتماعية التي قامت بها الأسرة أو تقوم بها.. سواء كانت الأسرة الصغيرة أو الأسرة الكبيرة.

 

والواقع درسناه من الناحية الفقهية ولم ندرسه بشكل كاف بعد من النواحي الاجتماعية, والوظائف التي قام بها لتيسير الخدمات الاجتماعية في التعليم والصحة والمرافق. درسنا الحسبة من الناحية الفقهية, ولم ندرس بشكل كاف الوظائف الاجتماعية التي قام بها هذا النظام.. سواء من جانب الدولة أو من جانب الأهالي. فمن ناحية الدولة فإن نظام الرقابة الذاتية داخل الدولة قام كله من النظام الحسبي, أو من خلال مفهوم الحسبة وديوان المظالم, أما من ناحية نشاط الأهالي في هذا الأمر فقد تمثل نشاط الحسبة لديهم فيما يماثل ما نعرفه الآن من أنشطة الجمعيات, والأحزاب والصحافة وغيرها.


 

* هل أصبح نفوذ الولايات المتحدة الأمريكية قدراً لا يمكن التصدي له ومواجهته؟


 

** إذا كانت هناك هيمنة أمريكية على مقدرات عالم اليوم، تظل هناك إرادات وطنية قائمة، وستجد أوروبا ليست منصاعة تماماً لأمريكا ولها حدود معينة في هذا الشأن مثل فرنسا وألمانيا، نجد روسيا أيضاً ليست منصاعة على الرغم من أنها في حالة من الضعف الشديد، ستجد الصين تعمل بشكل مختلف وإيران وكوريا الشمالية، وهناك معارضة متنامية لسياسات الولايات المتحدة من غالبية دول أمريكا اللاتينية.

 

أي هناك مجالات معينة نستطيع بها أن نصون الجوهريات والأساسيات، وإذا زاد الضغط علينا عن حد معين لابد أن نقاوم، وأكبر مثل لهذا الفلسطينيون، فإذا حسبنا بالسياسة والاقتصاد وكل شيء، فإن قدرتهم على مواجهة الصهيونية وإسرائيل المؤيدة من الولايات المتحدة ضعيفة، ولكنهم يقاومون وقادرون على التعبير عن أنفسهم والتأثير في الساحة وإيلام خصمهم.


 

* يرى بعض المثقفين العرب أننا أمام رفض الأنظمة العربية لدعاوى الإصلاح فإننا يجب أن نعتمد على الضغط الأمريكي والغربي على هذه الأنظمة. كيف تنظرون إلى هذا الطرح؟


 

** إن أول شرط للديمقراطية هو أن تكون صناعة محلية صرفة، وأن تتشكل في ممارساتها وإجراءاتها ثم في تكوينها من المادة الوطنية دون غيرها. وهذا ما عليه الحال فيما نعرفه بما يسمى بلدان العالم الديمقراطي المتقدم. فلا نجد بلدا من تلك البلاد سمح لنفسه أن يستجلب من خارجه رقابة على شئونه الداخلية، وإن من يتكلم عن الرقابة الخارجية من مقلدي الغرب، فإن الأحرى أن يقلدوه في سمة الاعتماد على الذات وحدها في بناء نظم الداخل ومؤسساته.

 

ونحن عندما نستعين بالقوى الخارجية على أوضاعنا الداخلية إنما نكون قد أقررنا على أنفسنا بأننا غير قادرين على إدارة شئوننا الذاتية، ولا قادرين على حماية مصالحنا الداخلية في مواجهة من هم منا، فكيف نكون قادرين من ثم على حماية مصالحنا وأوطاننا في مواجهة قوى الخارج؟

 

إن المبدأ الساري في السياسات الدولية أن من لا يقدر لا يستحق، ونحن إذا أقررنا على أنفسنا بعدم القدرة على حماية أوطاننا من المستبدين الداخليين، فإن قوى العدوان الخارجي تفهم من ذلك أننا لسنا مستحقين لهذه الحماية. وأنا لا أعرف كيف نطلب المدد ممن وقفوا دائما مع المستبدين يؤازرونهم علينا، وكانت قوى العدوان الخارجي هي أصل كل ما عانينا منه على مدى القرنين الأخيرين.

07:41 - 2007/3/5 - التعليقات {0} - للتعليق


حوار عن الدستور والمرجعية الإسلامية

بقلم

المستشار طارق البشري .. حوار عن الدستور والمرجعية الإسلامية
21/02/2007
والمرجعية الإسلامية لا تفرق -كما أسلفنا- بين مسلم وغير مسلم.. وأرى أن المادة المقترحة بمنع تأسيس الأحزاب على أساس ديني هي لغو مقصود به باطل.. العبارة في ذاتها لا تفيد ولا تضر، ولكن أحسب أن المقصود بها باطل وهو منع كل من له مرجعية إسلامية من أن يكون له تنظيم سياسي.


فجأة؛ احتلت قضية هوية الدولة المصرية صدارة الجدل في موضوع التعديلات الدستورية المنتظر إقرارها. قبل فتح النقاش كان المتوقع والمنتظر أن تحوز قضايا الحريات وإقرار التعددية وضمانات التداول السلمي للسلطة الاهتمام الأكبر في نقاشات التعديلات المنتظرة؛ لكن انقلبت الحال وتغير مسار النقاش ليصبح ما كان محسومًا طوال عمر الدولة المصرية الحديثة هو موضوع الساعة.

لقد علت أصوات تدعو إلى إلغاء المادة الثانية من الدستور التي تقول بأن مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الأساسي للتشريع، بل طالب البعض برفع الهوية الإسلامية للدولة التي ظلت كل دساتيرها تؤكد على: دين الدولة هو الإسلام.. وكان الجديد هذه المرة ألا ينفرد التيار العلماني بهذه الدعوة، بل دخلت الكنيسة فيها علي الخط لتؤكد -بحسم- اعتراضها على هذه الهوية.

 حملنا القضية الشائكة وتفاصيلها الملغومة إلى الأستاذ طارق البشري المفكر الإسلامي المعروف وأدرنا معه مقابلة موسعة حولها.

 وفي هذه المقابلة تناول طارق البشري القضية من موقع يجتمع فيه المفكر والمنظر للمسألة وهو صاحب الاجتهاد المهم في التأصيل الإسلامي لمبدأ المواطنة، مع القاضي الذي مارس المهام التشريعية وكانت له فيها أحكام وفتاوى تاريخية، من أهمها جواز تأسيس الأحزاب على أساس المرجعية الإسلامية، مع المؤرخ الذي تعمق في دراسة نشأة النظام السياسي والتشريعي في مصر وتطوره طوال القرن الماضي.. فكان حوارًا ثريًّا هذا نصه:

  

لم يكن بحاجة إلى جدل

  * يدور الجدل الآن حول موقع الإسلام المفترض في التعديلات الدستورية المنتظرة.. لأول مرة -ربما- تصبح هوية الدولة التي تنص على الإسلام: موضع خلاف، وهو خلاف امتد إلى المادة الثانية التي تنص على أن مبادئ الشريعة المصدر الأساسي للتشريع.. كيف ترى هذا الجدل كقاض ومفكر معني بالشأن الإسلامي وأيضًا كمؤرخ متابع لنشأة وتطور الدولة المصرية الحديثة؟

  ** من المهم أن نقوم بالتتبع التاريخي لقضية النص الدستوري على كون الإسلام دين الدولة من أجل فهمها في سياقها الحقيقي وتخليصها من التوتر السياسي الحالي... ربما كانت البداية الأولى مع دستور عام 1923 الذي هو أول دستور وضع لمصر بعد إعلان استقلالها عام 1922.. وتقول مضابط النقاش الذي واكب صياغة هذا الدستور إنه كانت قد شُكلت لجنة من ثلاثين عضوًا عرفت بلجنة الثلاثين كان مهمتها الإعداد للدستور، وإذا دققنا في عضوية هذه اللجنة سنخرج بملاحظات مهمة في فهم هذه القضية بالغة الخطر.. فلن نجد فيها -مثلاً- أي شخص يمثل تيار الإسلام السياسي بالمعنى الذي نقول به الآن.. بل شارك معظم أعضاء اللجنة إما بصفتهم الحزبية (مثل أعضاء حزب الأحرار الدستوريين) أو بحكم وظائفهم أو بحكم كونهم شخصيات عامة لها علاقات طيبة مع الملك وهو ما يقطع الطريق على القول إن القضية لها صلة بتيار الإسلام السياسي...

  بل سنجد أن في هذه اللجنة عددًا من المسيحيين مثل توفيق باشا دوس ويوسف سابا باشا وإلياس عوض وقلّيني فهمي باشا، بل كان فيها أيضًا الأنبا يؤانس نائب البطريرك كيرلس الخامس الذي صار بطريرك الكنيسة الأرثوذكسية بعد وفاة الأخير عام 1927.. وكان هناك يوسف أصلان قطاوي من اليهود... ولم يكن بها من ذوي المناصب المتعلقة بالدين الإسلامي إلا الشيخ محمد بخيت المطيعي المفتي السابق وعبد الحميد البكري شيخ الطرق الصوفية نقيب الأشراف... أما بقية أعضاء اللجنة الآخرين فكانوا ممن ينتمون إلي المؤسسات الحديثة وإلى الثقافة الآخذة من الغرب، مثل علي ماهر باشا وعبد اللطيف المكباتي وعبد الحميد بدوي ومحمد علي علوي... وكان رئيسها حسين باشا رشدي رئيس الوزراء الأسبق.

 إذا رجعنا إلى هذه المضابط، خاصة التي تسجل نقاشات لجنة وضع المبادئ العامة للدستور (وكانت تتألف من ثمانية عشر عضوًا من الثلاثين) فسنجد أن الشيخ محمد بخيت المطيعي المفتي السابق وقتها كان صاحب الاقتراح بالنص على هوية الدولة الجديدة والقول بأن دينها الإسلام فقال بالنص في جلسة 19 مايو 1922 (أريد أن أعرض على الهيئة طلب النص على أن دين الدولة الإسلام) فتقرر بالإجماع قبوله، ثم عرض علي اللجنة العامة الموسعة لصياغة الدستور (لجنة الثلاثين) مرتين في جلسة 14 أغسطس 1922 ثم 3 أكتوبر 1922 فوافقت عليه مجددًا، وبالإجماع دون أن يرفضه أحد أو يتحفظ عليه.. فصدر النص الدستوري على أن الإسلام دين الدولة واللغة العربية لغتها الرسمية.

  حدث ذلك إبان ازدهار الليبرالية في مصر وقبل ظهور تيار الإسلام السياسي، ولم يجد أحد في ذلك حرجًا ولا قلقًا ولا عنتًا على الأقليات الدينية.. كما لم يعترض أحد رغم أنه كان هناك في عضوية هذه اللجنة شخصيات مثل عبد العزيز باشا فهمي صاحب فكرة كتابة العربية بالأحرف اللاتينية والمحامي الشهير إبراهيم الهلباوي.. وغيرهم من الشخصيات التي لا يمكن تصنيفها بأنها إسلامية بالمعنى الذي نقصده الآن.

  لقد كان الجميع على وعي بأنهم بصدد وضع دستور يصوغ التوجه الأساسي للدولة الحديثة ويحدد المبادئ التي ترسم هويتها الحضارية؛ لذلك انتهوا إلى أن دين الدولة هو الإسلام ولغتها الرسمية هي العربية قولاً واحدًا لم يكن بحاجة إلى جدل.. وهو تقرير لأمر واقع واضح.

 

 * وماذا يعني برأيكم وصف كيان معنوي مثل الدولة بصفة دينية؟

 ** هذا يعني أن على الدولة حين تضع سياستها أن تراعي كون مرجعيتها وهويتها الحضارية إسلامية وأن يكون النظام العام الذي تنص عليه القوانين مشمولاً بقيم الإسلام وما تتوافق عليه الجماعة طبقًا لهذه القيم؛ فتراعي -مثلاً- أن تكون المناسبات الإسلامية الكبرى أعيادًا رسمية وإذا اختارت إجازتها الأسبوعية يكون يوم الجمعة... وهكذا من حيث تدبير مصالح الناس أخذًا بالاعتبار أن الهوية الحضارية إسلامية؛ إذ لا ينفصل دين الدولة عن مرجعيتها التي تحدد هويتها.

 وسنلاحظ تاريخيًّا أن تأثير هذا النص (دين الدولة الإسلام) لم يكن ظاهرًا في الفترة الأولى من عمر الدولة المصرية بعد الاستقلال ظهورًا كاملاً؛ وذلك بسبب تأثير الامتيازات الأجنبية التي كانت تتيح للأجانب قوانين ومحاكم خاصة بهم يحتكمون إليها حتى في نزاعاتهم مع المصريين.. فلم يكن هناك استقلال تشريعي بالمعنى المعروف حاليًّا.. ولم يتحقق هذا الاستقلال إلا مع معاهدة مونترو عام 1937 التي أنهت الامتيازات الأجنبية وإن لم تنته المحاكم المختلطة حتى عام 1949...

 بعد هذه الاتفاقية بدأ أساطين القانون المصري في إعداد مجموعات من القوانين لاستكمال السيادة القانونية لمصر علي مواطنيها، من أشهرها القانون المدني الذي نص في أول نصوصه (المادة 1) على أنه في غياب النصوص التشريعية يرجع القاضي إلى العرف، ثم مبادئ الشريعة ثم مبادئ القانون الطبيعي والعدالة.. ولا يجب أن نفهم خطأ فكرة تقديم العرف على أنه مقدم على الشريعة الإسلامية هنا؛ ففي بلد مثل مصر يستحيل وجود عرف يخالف مبادئ الشريعة إذا علمنا أن العرف ليس عادات الناس فقط وإنما أيضًا إحساسهم بالالتزام الاجتماعي تجاه هذه العادة.

 سنجد أن من أعاد فاعلية الشريعة في المجال القانوني هم مجموعات من فقهاء وعلماء القانون وعلي رأسهم القانوني الشهير عبد الرزاق السنهوري وتلامذته وهم من خريجي كليات الحقوق ممن لم تكن لهم صلة بالأزهر الشريف.. فلم تكن القضية قضية مؤسسة دينية كما لم تكن أيضًا قضية تيار سياسي إسلامي.. وفي كل الأحوال لم تكن خاصة بجيل من الأجيال دون غيره.

 لقد ظل هذا مرعيًّا ضمن التراث الدستوري الأصيل للدولة المصرية فلم يكن بدعًا ولم تخرج عليه يومًا ما في كل الدساتير التالية اللهم إلا مشروع الدستور المؤقت الذي اقترح لدولة الوحدة مع سوريا عام 1958 والذي خلا من النص على أن الإسلام دين الدولة... وهو لا يرقى إلى أن يكون دستورًا مكتملاً، بل صاغته جهات إدارية غير منتخبة من الشعب جُعل المجلس النيابي فيه بالتعيين بقرار من رئيس الجمهورية من بين أعضاء مجلسي الأمة المصري والسوري السابقين.

 هكذا كانت هوية مصر طوال عمرها إسلامية فلم تكتشف ذلك فجأة أو بمجرد أن طرح السادات -كما يزعم البعض- فكرة الاستفتاء على جعل مبادئ الشريعة المصدر الأساسي -وليس مصدرًا- للتشريع عام 1980.. فلم يكن السادات ينشئ وقتها وضعًا جديدًا، كما لم يكن ما فعله إقحامًا للفكرة على بلد لم يعرفه.. ما يقال من أن السادات فعل ذلك لتسويغ جعل مدة التجديد للرئيس مفتوحة من "مدتين"، إلى "مدد أخرى" صحيح، لكنه كان استجابة للرأي العام وتنازلاً له وليس ابتداعًا للفكرة نفسها أو خلقًا لها لدى الناس.. لقد استجاب السادات لمطلب كان قائمًا وإن كان سوَّغ به هدفًا خاصًّا به وهو ما يمكن أن نرى فيه التقاء المطلب العام مع المطلب الذاتي... كما أن من يطالب باستقلال بلده مثلاً إنما يحقق هدفًا عامًّا ويحقق سمعة شخصية ولا يقال إن الاستقلال الوطني كان مجرد استهداف مصلحة شخصية لزعيم ما.

  

لماذا الجدل؟

 * إذن ما الذي جدّ حتى تصبح هذه "المسلمة" الدستورية موضوعًا متفجرًا لدى التيار المنطلق من المرجعية العلمانية ولدى الأقباط أيضًا الذين طالبت قطاعات منهم، ومن بينها الكنيسة (وهذه ربما المرة الأولى)، بتعديل المادة الثانية للدستور التي تنص على أن مبادئ الشريعة هي المصدر الأساسي للتشريع؟

  ** هذا التوتر والرفض من ناحية العلمانيين سببه أنهم يصدرون عن مرجعية خاطئة ترى أن هوية المجتمع المصري ليست في الإسلام، وأنه لا يجوز أن يخضع للمرجعية الإسلامية.. إنهم تيار يفتقد الوجهة السليمة في النظر إلى تاريخ المجتمع المصري وتطوره؛ فهو يبدأ من مسلمة وافدة من الخارج تقول: إن الدين لا صلة له بالسياسة، ثم يحاكم عليها المجتمع وتاريخه.. ونحن لا نسلم لهم بهذه المسلمة، بل نراها دعوى غربية لا تصمد في مجتمعنا المصري، بل لم تكن تطرح على هذا النحو حتى لدى آباء العلمانية الأوائل في مصر كما يظهر من مناقشات دستور 1923.

  إن مشكلة التيار العلماني في أنه يصدر عن مرجعية غريبة تفقده الإحساس بالواقع والنظر السليم إلى الأصول الحاكمة لتاريخ وثقافة شعب ومعايير الاحتكام لديه.. وستجد هذا في قراءة التيار العلماني لتطور الفكر السياسي في مصر التي لا ترى في مصر الحديثة إلا حركة علمانية تبدأ من لطفي السيد فطه حسين... الخ وتمتد جيلاً فجيل في المسلسل العلماني.. ويعجز أن يرى أن في هذه الحقبة نفسها كان هناك أمثال محمد شاكر ويوسف الدجوي وفريد وجدي وطنطاوي جوهري وبخيت المطيعي والمراغي وشلتوت.. وغيرهم يملئون الدنيا وأنه كان هناك مثلاً شيخ اسمه محمود خطاب السبكي أسست جمعيته –الجمعية الشرعية- أكثر من أربعة آلاف مسجد!..

  إنها عملية سلخ لتاريخ مصر ترى أجزاء من الشجرة دون أن تراها في كمالها وتعدد فروعها.

 أما بالنسبة للأقباط، فالحاصل أنه لم تكن لديهم مشكلة من قبل.. وكانوا كثيرًا ما يتحدثون عن أنه لا مشاكل لديهم في قضية الشريعة، بل كان بعضهم يرى فيها ميزة وضمانة.. ولم أجد في مطالعاتي للجدل الذي صاحب صياغة أول دستور لمصر أي اعتراض ذي شأن في هذه المسألة.. كان أقصى ما وجدته بعض النقاشات حول فكرة التمثيل النسبي للأقباط وهل تجوز أم أن ضررها أكبر من نفعها.. وأذكر أنه كان من أساتذتي في كلية الحقوق الدكتور شفيق شحاتة وهو فقيه متميز عميق الفكر كانت كتاباته في القانون المدني شديدة التأثر بالفقه الإسلامي وكانت رسالته للدكتوراه عن نظرية الالتزام في الفقه الحنفي وأشرف عليه الفقيه العظيم الشيخ أحمد إبراهيم..

  لكن الذي جدّ هو ما جرى على الأقباط أنفسهم؛ سنرى في الفترة الأخيرة التأثير المتصاعد للمهجر وأقباط المهجر في الوعي القبطي وفي موقف الكنيسة نفسها... لقد صار أقباط المهجر أصحاب السبق في إثارة مثل هذه الاعتراضات وتزكيتها لدى القبط في مصر وتعبئتهم وراءها. كما امتد تأثيرهم في الوعي القبطي إلى داخل الكنيسة نفسها التي صار جزء منها مرتبطًا بالمهجر ومتأثرًا به في مقولاته وأفكاره، وانعكس ذلك عليها كتكوين مؤسسي وعلى سياساتها القائمة الآن؛ فصارت تجنح للغلو معتمدة على ضعف الدولة وتسعى للحصول منها على تنازلات تأخذ بها ما يطاق وما لا يطاق.

 

* لكن ألا يمكن أن نتكلم كذلك عن أن الممارسة السياسية للتيار الإسلامي تتحمل جزءًا من المسئولية عما جرى حين حوّل هذا التيار قضية المرجعية الجامعة للدولة إلى موضوع للتنافس السياسي مع الفرقاء السياسيين يرفع فيه كشعار انتخابي ويطرح ضمن سياق التنافس والسجال؟

 ** أتصور أن التيار الإسلامي الذي لجأ إلى العنف في السبعينيات وبعدها قد أخاف الأقباط كثيرًا كما أخاف المسلمين كثيرًا أيضًا، ولكن هذا التيار ضعف الآن ولم يَعُد له وجود الآن تقريبًا في مصر.. ومن حيث المبدأ فإن التيار الإسلامي السلمي كان هو الذي أشاع على نطاق واسع فكرة الشريعة وتطبيقها ووسع فيها ونقلها من جيل إلى جيل.. ولكن فكرة أن دين الدولة ومرجعيتها هو الإسلام فكرة قديمة، بل أقدم من تاريخ وجود التيار الإسلامي نفسه ولا تتعلق به حصرًا وإنما تتصل بالتكوين الثقافي لدى الشعب المصري.

 كما أنني أختلف مع القول بأن هذا التيار كان سببًا في توتر هذه القضية.. فقضية المرجعية الجامعة يمكن أن تكون شعارًا حزبيًّا وسياسيًّا بامتياز دون أن يكون ذلك مدعاة للتفريط بها تجنبًا للمزايدة أو اعتبارها سببًا للتوتر.. تمامًا مثل قضية الاستقلال؛ إذ يمكن لأي حزب سياسي أن يجعل على رأس أجندته شعار استقلال مصر وحماية أمنها القومي وتحرير إرادتها السياسية من هيمنة الخارج دون أن يتهم بتسييس مطلب إجماع وطني.. ولو أنه جرى تأكيد المرجعية الإسلامية للدولة لفقد التيار الإسلامي هدفًا من أهدافه السياسية.. لكن الذي حدث أن الباقين تخلوا عن هذا وبقي التيار الإسلامي من يحمل هذا المطلب ويدافع عنه.

 السؤال الأساسي الذي يجب أن نسأله: هل هناك احتياج حقيقي للمطالبة بتطبيق المرجعية واقعًا أم لا؟ ومن حق أي تيار بعد ذلك أن يتبنى هذا المطلب.. ولو اتفق الجميع على ذلك ما انفرد به الإسلاميون.. المطالبة لا تعني الاحتكار، بل ترك الآخرين لهذا المطلب هو ما سهل الاحتكار.

 

 ما المقصود بالمرجعية الإسلامية؟

  * سؤال بديهي لكنه يبدو ملحا: ما المقصود بالمرجعية الإسلامية في الدستور؟

 ** هي مرجعية فلسفية عقدية وليست مبدأ سياسيا جازما ومغلقا... أي هي الأصول الفكرية المرجوع إليها والتي يرتد إليها ما يتحاكم إليه الناس من نظم ومعاملات وقيم سلوك وأخلاق وهي ما يربط بين نظرة الإنسان للكون والأساس النظري لمعارفه الدنيوية والكونية وبين ما يحكم به على الأمور من صواب وخطأ.

 والمرجعية قد تتحول إلى مبدأ سياسي حين تُفتقد أو تُخالف أو يُطالب بتنحيتها، ولكن حين تمارس فهي تمارس بوصفها أصلا فكريا وثقافيا واعتقاديا.. وبهذا المعنى يمكن أن تتفرع منها العديد من التيارات السياسية ذات المشارب والأفكار والأهداف المختلفة والمتباينة، سواء في تنظيم الحكم أو إدارة الاقتصاد أو غيرها من المجالات، وهي في هذا الشأن مثلها مثل المرجعية العلمانية التي يمكن أن يظهر منها تيار ديمقراطي وآخر استبدادي، وقد حصل ذلك فعلا (فالفاشية والنازية خرجتا من رحم العلمانية مثلا).. ونظام رأسمالي حر وآخر اشتراكي تعاوني.

 النظر إلى المرجعية له مستوى تجريدي أعلى من النظر إلى الأمور والمسائل السياسية.. لذلك فمن الممكن في تصوري أن تيارين سياسيين ذوي مرجعية مختلفة يلتقيان على أهداف سياسية متقاربة والعكس. فمثلا ينحدر من المرجعية الإسلامية في وقت ما الأزهر والطرق الصوفية والإخوان المسلمون وغيرهم.. كما ينحدر من المرجعية العلمانية الوفد في وقت ما والأحرار الدستوريون خصومه في ذات الوقت وشخصيات سياسية تختلف عن الاثنين ثم الشيوعيون!.

 

* لو قلنا إن للمرجعية العلمانية سمات مثل العقلانية ومركزية الإنسان وغيرها.. فما سمات المرجعية الإسلامية وكيف يمكن تشغيلها في الإطار السياسي؟.

 ** لو أجملناها في كلمات فهي: أن يكون القرآن والسنة هما المصدر الأساس للحسن والقبح في النظر للأمور بتعبير علماء الكلام.. المصدر فيما يتعلق بقيم الأخلاق والسلوك وقواعد المعاملات ونظم الحكم.. أن يكون القرآن والسنة مصدر القيم العليا التي تنحدر منها وترد إليها الأحكام التفصيلية في هذا الشأن، وهي ستكون متعددة ومتباينة ومغايرة بحسب اجتهادات المكان والزمان والناس لحلول مشكلاتهم الاجتماعية والسياسية؛ فينحدر منها مذاهب وفرق.

 

* لكن الرجوع إلى المرجعية الأصل (القرآن والسنة) يفترض اختلاف الناس؛ فأي تجليات للمرجعية يكون الرجوع؟.

 ** المرجعية متداخلة مع اجتهادات الناس.. هي الأصل المرجوع إليه والمورود منه.. وهي تحتمل، بل تفترض قبول الاختلاف والتنوع والتغير بحسب الزمان والمكان. وكما قيل: الحكم صلة بين نص ثابت وواقع متغير.. والاختلاف في الأحكام، ولكن الاتفاق يكون في مرجعية واحدة.

 

 ماذا عن المختلفين معها؟

 * وكيف تدار العلاقة -في الواقع السياسي والاجتماعي - بين هذه المرجعية وبين من لا يؤمنون بها ويصدرون عن مرجعيات أخرى؟ هل تتيح هذه المرجعية (وهل في سماتها) للمختلفين معها حرية التنظيم السياسي؟.

 ** المرجعية الإسلامية ثقافية مفتوحة ولا تطرح كعقيدة مغلقة على أصحابها.. ورغم ذلك فإن من لا يوافق على هذه المرجعية لا يخضع لها كمرجعية.. وهذا حقه فلسفيا وثقافيا؛ مع العلم بأنها لا تُطرح كعقيدة على غير أصحابها.. لكن يمكن أن يخضع لما يصدر عنها من أحكام وقوانين تفصيلية طالما كانت لا تخل بمبدأ المساواة اللازمة بين المواطنين.. فإذا سأل البعض: كيف سيتعامل غير المسلم مع أحكام مردودة فكريا إلى المرجعية الإسلامية التي قد يرفضها من الأساس؟ قلنا: إنه سيتعامل هنا معها كأحكام ولا يتعامل مع مرجعيتها.. وطالما كانت الأحكام تقبل بالمساواة بين المواطنين جميعا فهو سيتساوى مع المسلمين على وفق هذا المظهر وبموجب المساواة الآتية من حكم مردود إلى هذه المرجعية.

  تماما مثل المسلم في فرنسا العلمانية.. فهو يتعامل مع أحكام مرجوع فيها إلى مرجعية وضعية علمانية.. وتعامله معها لا يتعلق بالمرجعية وإنما بهذه الأحكام التي تنحدر من هذه المرجعية وتمس نشاط حياته وتحكمه.

 

* ألا تفتئت فكرة المرجعية الإسلامية وترجمتها في المادة الثانية من الدستور (الشريعة المصدر الرئيسي للتشريع) على مبدأ المواطنة الذي هو أساس الدولة الحديثة؟.

 ** في تصوري أن المادة الثانية من الدستور هي التي بموجبها يمكن أن تلتقي المواقف كاملة بين من يصدر عن المرجعية الإسلامية وبين من يصدر عن غيرها من المواطنين في أحكام متعلقة بالمساواة الكاملة بين المواطنين وإن اختلفت أديانهم.

أولاً نحن نريد أن نستمد من المرجعية الإسلامية ما يسند المساواة الكاملة بين المسلمين وغيرهم ممن يشملهم مفهوم المواطنة من داخل الفكر الإسلامي.. قديما كانت المساواة لا يمكن تحقيقها فكريًّا إلا من داخل الفكر العلماني، والمراد الآن هو معرفة هل يمكن تحقيق هذه المساواة من داخل الفكر الإسلامي وهو ما سيجعلها أوثق وأضمن في التطبيق وأبعد عن التوترات العقائدية؟.

 الفكرة هنا أساسها أن المساواة بين المسلمين وغيرهم كانت متحققة في الفقه الإسلامي بالنسبة للحقوق الخاصة، وتقوم المشكلة فيما يتعلق بالولاية العامة (تولي المناصب الرئاسية في الدولة أو القيادية في الجيش أو القضاء)، ويقوم الاجتهاد الذي أنادي به في هذا الشأن على أن الولاية العامة التي كان الفقه التقليدي يشترط فيمن يمارسها الإسلام انتقلت من الأشخاص إلى الهيئات فلم تعد مرتبطة بالإرادة الشخصية أو القرار الشخصي، وإنما انتقلت إلى هيئة معنوية جماعية تحتكم إلى دستور ثابت أو إطار مرجعي وتصدر فيها القرارات بأغلبية التصويت أو بالمشاركة بين عدد من الأشخاص والهيئات.. القاضي مثلا صار يحكم بقانون مكتوب كما لم يعد يحكم منفردا، إنما ضمن مجلس من ثلاثة قضاة -وربما زادوا- يتداولون ويصدرون في النهاية حكما واحدا.

 لقد صارت الولاية العامة للهيئات وليست للفرد.. ولما كان الفقه التقليدي يقبل بولاية غير المسلم للولايات التنفيذية ثم جاء هذا الاجتهاد ليحل مشكلة الولايات العامة جميعا: تنفيذا وتفويضًا فصارت المساواة بين المسلم وغيره كاملة بعدما انتقلت الولاية من الأشخاص إلى الهيئات.

 بقي مشكل آخر يتعلق بالهيئة: ما دينها؟ وهذا هو الإبداع الفقهي والفكري الذي قام به الشيخ محمد بخيت المطيعي؛ إذ اقترح -وأقره الجميع في لجنة صياغة الدستور كما اقره علماء المسلمين خارج اللجنة- أن يكون دين الهيئة/ الدولة هو الإسلام.. فالدين ليس من خصائص الشخص الطبيعي فقط، وإنما يمكن أن يكون من خصائص الشخص المعنوي والهيئات. وكيف يكون للهيئة دين؟ يكون للهيئة بأن تكون مرجعيتها إسلامية.. وبهذه الطريقة تكون المادة الثانية في الدستور بصيغتها الحالية لازمة لكي يتحقق السياق النظري من داخل الفقه الإسلامي الذي يحقق المساواة الكاملة بين المسلمين وغيرهم في المشاركة واتخاذ القرارات التي تنسب للهيئة...

 والمساس بهذا النص سيفقد هذا التسلسل المنطقي معناه، وسيفقدنا القدرة على أن نستمد من داخل الفقه الإسلامي ما يدعم المساواة بين المواطنين

في تولي الولايات العامة.
 
السياسي والديني
 * المستقر لدى مَن تكلموا عن الدولة القومية الحديثة أنها دولة يجب أن تكون محايدة دينيًّا، الدولة الحديثة هي مرجعية ذاتها وليس لها مرجعية من خارجها!.
 ** هذا استدعاء بل واجترار للخبرة الغربية في بناء الدولة الحديثة، ولا يلزمنا بالضرورة.. حداثتي غير حداثتهم.. حداثتي موصولة بأصولي وتراثي أو يفترض أن تكون هكذا.. وحداثتهم موصولة بأصولهم وتراثهم، ثم إن هذا الكلام يحول الدولة الحديثة إلى أيدلوجيا، بل وإلى عقيدة ودين جديد وأنا ضد ذلك تماما.
 
* الجدل في هذا الموضوع -مرجعية الإسلام والشريعة- يتوجه في كثير منه أيضا إلى حدود العلاقة بين الديني والسياسي في مصر الحديثة: كيف ترى المادة المقترحة بمنع تأسيس الأحزاب على أساس ديني؟.
 **  تأسيس حزب سياسي على أساس المرجعية الدينية لا مشاكل فيه طالما كان تحت سقف المرجعية الكلية.. مرجعيتنا إسلامية بنص الدستور وبموجب اعتقاد غالبية الشعب.. لكن المشكل في أن يكون هذا التأسيس قائمًا على تأسيس العلاقة مع الحزب أو سياساته على أساس التفرقة بين المواطنين وفق عقائدهم الدينية، وهذا مرفوض وضد الدستور.. مرفوض تماما التمييز دينيًّا بين المواطنين في دخول الحزب أو سياساته المستقبلية على أساس ديني.. فيجب ألا يفرق الحزب بين المواطنين واقعًا أو مستقبلاً على أساس ديني فلا بد من المساواة في العضوية والأهداف والسياسات...
 والمرجعية الإسلامية لا تفرق -كما أسلفنا- بين مسلم وغير مسلم.. وأرى أن المادة المقترحة بمنع تأسيس الأحزاب على أساس ديني هي لغو مقصود به باطل.. العبارة في ذاتها لا تفيد ولا تضر، ولكن أحسب أن المقصود بها باطل وهو منع كل من له مرجعية إسلامية من أن يكون له تنظيم سياسي.
 
* هل ترى أن هذا الالتباس يتعلق بالاستحضار غير الواعي للخبرة الغربية في علاقة الدين بالسياسة ووجود سلطة دينية تحتكر الدين؟.